recent
أخبار ساخنة

السكن الشبابي في تركيا بين الواقع والخيال.......


أولى مركز الحوار السوري منذ بداية عام 2018 اهتماماً خاصاً بدراسة مشاكل السوريين في تركيا، لاسيما وأن هذه المشاكل بدأت تظهر على نحوٍ جليّ وتهدّد جهود الانسجام الاجتماعي المأمول، وقد طوّر مركز الحوار السوري هذا الاهتمام مع بداية عام 2020؛ فأنشأ وحدة مستقلة هي الوحدة المجتمعية التي ركزت عملها ضمن ثلاثة مسارات، أحدها مسار الوجود السوري في تركيا.

 السكن الشبابي في تركيا، الواقع والتحديات



وخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة صدر عن مركز الحوار السوري 14 ورقة بحثية وتقرير ركّزت على مشاكل الاندماج، واستكشفت أوضاع بعض الشرائح كالطلاب السوريين في المدارس والجامعات التركية والعمالة السورية في سوق العمل التركي، وقدمت العديد من الحلول والتوصيات الموجهة للأطراف المعنية، وقد لقيت هذه الدراسات اهتماماً من جهات تركية وغربية، وتم ترجمة عدد منها بالشراكة مع بعض المنظمات والمراكز البحثية إلى اللغة التركية وطباعتها وتوزيعها.

وانطلاقاً من اهتمام مركز الحوار السوري بواقع السوريين في تركيا، ورغبةً في تتبع التغيرات الاجتماعية التي طرأت عليهم والمشاكل التي يتعرضون لها؛ بدأ مركز الحوار السوري بدراسة شريحة جديدة مهمة لها خصوصية، وهي شريحة الشباب المقيمين في تركيا ضمن ما يُعرف بالسكنات الشبابية؛ إذ إن هذه الشريحة هي شريحة شابة عاشت فترة من طفولتها في ظروف غير مستقلة وانتقلت إلى مجتمع جديد دون عائلاتها، ثم انخرطت في سوق العمل قبل أن تتعافى من آثار صدمات الحرب واللجوء، ودون أن يقدم لها أحدٌ المساعدة المادية أو المعنوية، واعتمدت على نفسها في مواجهة الصعوبات.

السوريين اكثر احتكاكا مع الاتراك من هم ؟

وتشكل هذه الشريحة إحدى حلقات التواصل المهمة بين المجتمع التركي والمجتمع السوري؛ نظراً لكونها من أكثر فئات السوريين  احتكاكاً بالمجتمع التركي في ميادين العمل وفي المواصلات، كما أن هذه الشريحة دائماً ما تكون موضع اتهام وريبة، إذ تُوجه لها أصابع الاتهام بأنها سبب البطالة التي تتزايد في تركيا، وسبب المشاكل والصورة الذهنية السلبية التي رسمها الإعلام التركي عن السوريين عامة، نظراً لإمكانية تصرفها – في بعض الأحيان – تصرفات متسرعة دون تقدير العواقب، بالإضافة إلى إمكانية تورطها في بعض المشكلات نتيجة ظروفها الصعبة التي سنحاول استعراضها في هذه الدراسة.


ومن جهة أخرى، ونتيجة احتكاك هذه الشريحة اليومي بالمجتمع التركي فإنها تبدو من الشرائح الأكثر تعرضاً لتداعيات حملات التحريض التي تجددت مؤخراً على كلا الطرفين السوري والتركي، حيث يُخشى أن يتم استثمار بعض أفراد هذه الشريحة واستغلال أوضاعهم الصعبة من قبل جهات تسعى إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وتخريب السلم الأهلي داخل تركيا، من خلال استغلال ورقة اللاجئين.


وبالتالي ينظر مركز الحوار السوري إلى هذه الشريحة بوصفها ضحية للإهمال وعدم الاكتراث وللاستغلال من جهة، وضحية أخرى لحملات التحريض من جهة أخرى، ويرى أن التوجه لهذه الشريحة قد يكون إحدى الخطوات المهمة في تحسين العلاقات بين الأتراك والسوريين وتخفيف الاحتقان وإزالة فتيل التوتر الذي يمكن أن يتسبب تجاهله بتكرار حالات الصدام المجتمعي، بالإضافة إلى المكاسب التي يمكن أن تأتي من إعادة استثمار طاقات هذه الشريحة بشكل إيجابي بما يخدم كلّاً من الطرفين.


ويأمل مركز الحوار السوري أن تكون هذه الدراسة والدراسات الملحقة بها -التي تصدر تباعاً- محاولةً لتسليط الضوء على واقع هذه الشريحة واحتياجاتها، وتنبيهاً لكل المنظمات السورية والتركية وحتى الغربية على ضرورة التوجه لها بالبرامج والمشاريع التي تساعدها على تجاوز مشاكلها وظروفها القاسية التي تعيشها؛ وذلك لأنّ تحسينَ واقع شريحة الشباب بشكل عام، وضمانَ نموهم بشكل سليم وصحي وإيجابي، واستثمارَ طاقاتهم وتوجيهها ليكونوا من الأفراد الفاعلين في المجتمع عاملٌ أساسيٌّ في تعزيز  رأس المال الاجتماعي ومساعدته على التعافي، وخطوة في تحقيق سلام اجتماعي مستدام في كل من تركيا وسوريا.


شكر وتقدير لبعص السوريين ....

ويتوجه مركز الحوار السوري بجزيل الشكر إلى كل مَن شارك أو ساعد في إعداد هذه الدراسة؛ ويخصّ بالشكر كلّاً من:


  • الشباب القاطنين في السكنات الشبابية الذين شاركونا تجاربهم من خلال تعبئة الاستبانة الإلكترونية، والشباب الذين وافقوا على إجراء مقابلات معمقة مع فريق البحث.
  • مجموعة الخبراء الذين تمت مقابلتهم من قيادات منظمات المجتمع المدني السورية في تركيا، ومن الدعاة والمهتمين بالعمل مع الشباب.
  • فريق البحث وجمع البيانات في مركز الحوار السوري، وفريق التحكيم والخبراء الذين اطلعوا على الدراسة قبل نشرها وقدموا ملاحظاتهم حولها.
  • كما نوجه شكراً خاصاً للدكتور باسم حتاحت على جهوده في مراجعة وتحكيم الورقة.


الملخص التنفيذي حول السكن الشبابي 

تزايدت أعداد السكنات الشبابية بين عامي 2013- 2016، وهي الفترة التي شهدت أكبر موجات لجوء إلى تركيا وأوروبا بشكل واضح؛ فقد لبَّت هذه السكنات احتياج الإقامة المؤقتة والرخيصة للكثير من الشباب القادمين إلى تركيا بنية العمل أو الذهاب إلى أوروبا، وتعامل معها الكثير من السوريين على أنها مشروع استثماري مربح.


ويمكن تعريف السكن الشبابي بأنه: منزل يُدار لهدف استثماري من قبل فرد أو جهة، يقطن فيه عدد كبير من الشباب العزّاب، يحصل كل منهم فيه على سرير وخزانة، ويتشاركون فيما بينهم بالمرافق العامة والمرافق الصحية، حيث يتراوح عدد الأفراد في الغرفة الواحدة بين شخص واحد حتى 6 أشخاص أو أكثر، وتتراوح الأجرة الشهرية بين 250-800 ليرة تركية تبعاً لعدد الأفراد في الغرفة الواحدة ولمكان السكن والخدمات التي يقدمها.


يُعد السكن الشبابي من البيئات غير المتجانسة التي تضم أعداداً من الشباب من مختلف الشرائح العمرية والجنسيات، ومن مختلف الخلفيات التعليمية والدينية والأخلاقية والثقافية والتعليمية والمناطقية وبأعداد كبيرة ومتجددة، وهو ما يثير حفيظة المجتمع التركي، لاسيما وأن الشعب التركي عادة متشدد فيما يتعلق بمواضيع النظافة والضجيج، كما يُبدي تحفظات بشأن تأجير العائلات الأجنبية نظراً لاختلاف الثقافات، وتصبح هذه التحفظات أكبر عندما يكون المستأجرون مجموعة من الشباب العزّاب دون عائلاتهم، وتكثر بينهم المشاجرات والخلافات.


وتعد بيئة السكن بيئة مناسبة لاندلاع المشاكل بين القاطنين فيه؛ ويعود ذلك إلى مجموعة من الأسباب، منها: غياب المعايير والضوابط في قبول المقيمين، وعدم التزام بعض القاطنين بما تم الاتفاق عليه داخلياً من قواعد لإدارة السكن، أو بسبب استقبال الضيوف والأصدقاء، فضلاً عن التعدي على خصوصية الآخرين والإزعاج المتكرر والسهر إلى أوقات متأخرة.


وتتنوع أنماط المشاكل في السكن الشبابي؛ حيث تبدو مشاكل التواصل حاضرة نتيجة غياب القدرة على إدارة حوار مشترك، فتنتهي معظم الحوارات البسيطة بشجارات، كما أن غياب الخصوصية نتيجة ضيق المساحة المخصصة لكل منهم واستخدام مرافق مشتركة قد يكون سبباً إضافياً في ارتفاع وتيرة المشاكل بين القاطنين أيضاً.


وتشير نتائج استبانة الدراسة إلى أن 40% من السكنات الصغيرة تستقبل بين 8-12 شخصاً، بينما تستقبل 28% منها أعداداً تتراوح بين 13-20شخصاً، أما السكنات الكبيرة فقد استقبل 86% منها أعداداً تراوحت بين 21-50 شخصاً، وأشار 58% من المستجيبين إلى أنهم يقطنون حالياً في غرفة تضم أربعة أسرّة على الأقل.


ومن أنماط المشاكل الحاضرة بقوة في السكنات الشبابية حوادث السرقة؛ فقد أشار 51% من المستجيبين إلى وجود حالات سرقة تنتشر بشكل واضح في السكنات الشبابية، حيث إن معظم حالات السرقة تتم من قبل أحد القاطنين، وتستهدف الأجهزة الإلكترونية والأموال والأوراق الثبوتية، وحتى الأغراض والملابس الشخصية.


ومن جهة أخرى تُعد السكنات الشبابية بيئة لا تتوافر فيها الظروف الصحية المناسبة للعيش، حيث تتسبب حالة الاكتظاظ وغياب النظافة وعدم توافر الطعام الصحي بانتشار الأوبئة والأمراض المعدية، هذا بالإضافة إلى وجود شريحة تعاني من مشاكل صحية واضحة وتحتاج الى رعاية صحية وأدوية بشكل مستمر.


وإلى جانب ذلك كله يعاني قاطنو السكن الشبابي من مجموعة من المشاكل القانونية؛ وتتجلى في عدم امتلاك بعضهم لأوراق الإقامة القانونية، بالإضافة إلى مشاكل تتعلق بوجود بعض القاطنين الذين قد يقومون بأعمال غير قانونية كالتهريب أو تعاطي المخدرات والحشيش والترويج لها أو التجارة بها أو إدارة بعض أنشطة الدعارة أو التعامل بالدولار المجمد أو ببرامج المراهنات، عدا إمكانية تورط بعض القاطنين في هذه السكنات بعمليات الاحتيال والاستغلال .


وقد أثّرت تجربة السكن الشبابي على القاطنين بشكل سلبي في بعض الأحيان، وبشكل إيجابي أحياناً أخرى؛ فقد برزت التغيرات السلبية التي طرأت على القاطنين في السكن الشبابي على شكل تغير سلبي في درجة الالتزام الديني، خاصة بدرجة الالتزام بأداء الصلاة عند 28% من الشريحة المستطلعة آراؤها، بالإضافة إلى التغير السلبي في الالتزام بتعاليم الدين المتعلقة بالحلال والحرام عند 25% من هذه الشريحة، في حين  تبدو ثلت الشريحة المستطلعة آراؤها قد تعرضت إلى تغيرات تجاه أفكارها حول الدين؛ 17% منها تعرضت لتغيرات سلبية، و17% تعرضت لتغيرات إيجابية.


ومن جهة أخرى تظهر نتائج الاستبانة أن جو السكنات الشبابية لا يشجع على الالتزام الديني أو حتى الأخلاقي؛ فقد أشارت 70% من الإجابات إلى انتشار ألفاظ الكفر والألفاظ النابية، بينما أشار 34% إلى وجود الأفكار الإلحادية وانتشارها بين القاطنين بنسب متفاوتة، كما أشار 31% من المستجيبين إلى حدوث تغييرات سلبية عليهم من جهة اكتساب العادات السيئة والألفاظ البذيئة بشكل أكثر من السابق، نتيجة تأثرهم بالبيئة المحيطة.


ومن جهة أخرى وفي محاولة لتتبع الانحرافات السلوكية والأخلاقية ينتشر الكحول والحشيش بين 13- 18% من السكنات الشبابية شملها الاستطلاع، في حين أشار 24% إلى أنهم صادفوا حالات لأفراد يقومون بعلاقات غير شرعية داخل أو خارج السكن.


وتبدو التأثيرات السلبية لتجربة السكن الشبابي أوضح من الناحية النفسية؛ إذ أشار ثلثا المستجيبين إلى تدهور حالتهم النفسية بعد هذه التجربة، في حين صرح 45% من المستجيبين إلى أنهم أصبحوا ينظرون بشكل سلبي للمستقبل أكثر من السابق، كما تراجعت معدلات تواصل هؤلاء الشباب مع عائلاتهم عند ثلث الشريحة المستطلعة آراؤها.

الجانب الايجابي حول السكن الشبابي

أما على الجانب الإيجابي فقد قدمت السكنات الشبابية بيئة اجتماعية بديلة عوضت الشاب عن فقدانه العائلة وانتقاله إلى مجتمع مختلف الثقافة واللغة، وتشير نتائج الاستبانة إلى أن 58% من قاطني السكن الشبابي تعرفوا على أصدقاء سوريين جدد في تركيا، وهو ما ساعدهم على الحصول على فرص عمل، كما عززت هذه التجربة الثقة بالنفس عند 33% من المستجيبين، ورفعت القدرة على تحمل المسؤولية عند 46% من الشريحة المستطلعة آراؤها.


وأما بالنسبة لسكنات الإناث فتتشابه في معظم النواحي مع سكنات الذكور؛ إلا أنها ذات شروط أفضل بكثير من حيث النظافة والانضباط بالقوانين وعدد القاطنات، كما أنها أغلى سعراً، وتختلف فيها أنماط المشاكل، وتنتشر فيها بعض السلوكيات الأخلاقية السيئة، ولكن بوتيرة أقل من سكنات الذكور.


وتتركز احتياجات شريحة القاطنين في السكن الشبابي في الحاجة للتواصل الفعال والإرشاد، والحصول على مكان بديل يصلح للمعيشة، بالإضافة إلى دعم لمشاريع الزواج أو المشاريع الصغيرة، ودورات تطوير المهارات؛ سواء الدورات المهنية أو دورات اللغات، إلى جانب الحاجة إلى بعض الخدمات الاستشارية القانونية والنفسية وبعض المشاريع التعليمية التعويضية.


هذا وتُظهر معظم منظمات المجتمع المدني وبعض الجهات الدعوية عزوفاً واضحاً عن التوجه ببرامج ومشاريع لهذه الفئات، وهو ما يعود إلى غياب اطلاع هذه المنظمات على واقع هذه الشريحة ومشاكلها واحتياجاتها وتحديات تأمين الدعم والتمويل، بالإضافة إلى غياب المتخصصين الذين يمكنهم التعاطي مع هذه الفئة والتفاعل مع مشاكلها المتداخلة، لاسيما وأنها تعاني من مزيج من مشاكل أخلاقية وفكرية وأسرية ومجتمعية، اجتمعت معها ارتدادات الحرب واللجوء لتخلق عندها حالة من اللامبالاة.


وعلى الرغم من أن واقع هذه الشريحة يبدو قاتماً إلا أن الفرص لا تزال مهيأة للتأثير الإيجابي في هذه الشريحة والتخفيف من الآثار السلبية؛ حيث إن هذه الشريحة تحتاج للاهتمام والرعاية والمتابعة والنصح والتوجيه أكثر من احتياجها للدعم المالي، وإن التوجه لهذه الشريحة يجب أن يكون من منطلق الصداقة والرحمة والإحساس بالمسؤولية، لا من منطلق الأستاذية والنصح المتعالي.


وقد طرحت الورقة مجموعة من التوصيات استهدفت منظمات المجتمع المدني السورية والتركية بالدرجة الأولى؛ ركزت على ضرورة التوجه إلى هذه الشريحة بمشاريع تلبي احتياجاتها، وتأمين ظروف إقامة وسكن أفضل، والتدرج في التعاطي معهم بشكل مرحلي في محاولة لإعادة بناء حالة من الثقة المتبادلة، عندها يمكن لهذه المنظمات إقامة مشاريع مباشرة وموجهة تسعى إلى تطوير خبرات هذه الشريحة وتوعيتها ومساعدتها على الحد من التغيرات السلبية التي تعرضت لها وتوجيه قدراتها نحو القنوات الصحيحة بما يخدمها ويخدم مجتمعاتها.


وإلى جانب لجوء العديد من العائلات السورية إلى تركيا هرباً من الأعمال العسكرية فقد لجأت شريحة كبيرة من الشباب دون عائلاتهم إلى تركيا هرباً من الملاحقة الأمنية نتيجة نشاطهم السابق في الثورة أو في أعمال الإغاثة، أو رغبة بالتخلص من الخدمة العسكرية الإلزامية التي زجّ فيها نظام الأسد غالبية الشباب السوري في جبهات القتال في مواجهة إخوتهم وأبناء بلدهم، أو رغبة في البحث عن فرص عمل يمكن من خلالها إعالة أسرهم التي فقدت موارد رزقها، أو الانتقال إلى تركيا كخطوة أولى في رحلة اللجوء إلى أوروبا.

وقد أدى تدفق أعداد كبيرة من شريحة الشباب العزّاب إلى نشوء ما يُسمى “السكن الشبابي “، وهو منزل يُدار لهدف استثماري من قبل فرد أو جهة، يقطن فيه عدد كبير من الشباب العزّاب، يحصل كل منهم فيه على سرير وخزانة، ويتشاركون فيما بينهم بالمرافق العامة والمرافق الصحية داخل السكن، وهو يختلف عن السكنات الطلابية أو السكنات الجامعية.


وانطلاقاً من اهتمام مركز الحوار السوري بقضايا ومشاكل السوريين في تركيا، وفي محاولة لاستكشاف ظروف هذه الشريحة وواقعها؛ فقد أصدر المركز هذه الورقة الرئيسة وعدداً من الأوراق الملحقة بذات الموضوع[3]، التي من شأنها تسليط الضوء على تجربة هؤلاء الشباب في تركيا وواقعهم والتحديات التي يواجهونها.

اهمية معرفة حياةالمواطن السوري في تركيا 

تأتي أهمية هذه الدراسة من كونها تسلط الضوء على واقع حياة شريحة مهمة من الشباب السوري في تركيا، قدمت إلى تركيا في عمر صغير، وحاولت الاعتماد على نفسها في ظل ظروف قاسية من تهجير أو لجوء، وقد انخرط معظم هؤلاء الشباب في سوق العمل التركي النظامي وغير النظامي، نقلوا معها خبراتهم السابقة واكتسبوا خبرات عملية جديدة في جوانب مختلفة؛ حيث تشكل هذه الشريحة حجر الأساس في بناء مستقبل سوريا، نظراً لما تضمه من خبرات في مجالات الحرف المتنوعة، سيكون على عاتقها مهمة المشاركة في إعادة إعمار البلاد.


ومن جهة أخرى تُعد هذه الشريحة الأكثر احتكاكاً بالمجتمع التركي نظراً لتماسها اليومي معه في سوق العمل والمواصلات، والتي قد يصدر عنها أخطاء مقصودة أو غير مقصودة يمكن أن تؤثر في صورة السوريين في الذهنية التركية، كما أن الظروف القاسية التي تعيشها هذه الفئة والنشأة غير الصحية لها ستؤثر مستقبلاً في المجتمع السوري، وفي طريقة تربية الأجيال القادمة التي سيصبح فيها هؤلاء الشباب آباء مستقبلاً.


المنهجية بالسكن الشبابي 

نظراً لعدم دراسة هذا الموضوع بشكل بحثي سابقاً، وإن كان قد تم تناوله إعلامياً على بعض المواقع؛ فقد اختار فريق البحث منهجية تجمع بين الكمية والنوعية، حيث إن هذه المنهجية تكون مناسبة في الأبحاث الاستكشافية التي يُراد بها تسليط الضوء على ظاهرة جديدة وغير معروفة على الساحة، لاسيما إن كان موضوع الدراسة يناقش قضية ذات أبعاد متشعبة ويحاول تفكيك خطوطها، كالقضية التي نقوم بدراستها هنا؛ ولذا اعتمدت هذه الورقة المنهج الوصفي التحليلي الذي يقارب المشكلة من عدة جوانب ويعمل على تحليلها.


وقد استندت على مجموعة من البيانات الثانوية التي تتضمن المقالات والدراسات المنشورة حول الموضوع، ونتائج تحليل مجموعة من البيانات الأولية التي اعتمدت مجموعة من الأدوات، وهي:


استبانة إلكترونية استهدفت عينة قصدية شاركت في هذه الاستبانة بشكل طوعي، وتم تصميمها وتحكيمها من قبل خبراء، حيث ضمّت مجموعة من الأسئلة المغلقة والأسئلة المفتوحة التي سمحت للمشاركين بالتعبير عن آرائهم، وتم جمع بياناتها في شهر آذار عام 2021.

قام بالإجابة عليها قرابة 487 شخصاً؛ وقد بلغ عدد الإجابات المعتمدة بعد استبعاد الإجابات المكررة أو الشاذة 480 إجابة، وتم تحليلها باستخدام البرامج الإحصائية عبر برنامجي SPSS وإكسل.


مقابلات معمقة مباشرة مع 30 شخصاً بينهم 8 إناث، عاشوا تجربة السكن الشبابي لفترات مختلفة، تمّت قبل تصميم الاستبانة وخلال فترة نشرها، وقد كان الهدف من هذه المقابلات ضمان تصميم الاستبانة بالشكل الأمثل، والوصول إلى فهم أعمق لحجم وطبيعة المشكلات التي تعانيها هذه الشريحة وتفاصيلها ومقاطعة نتائج المقابلات مع ما ورد في نتائج الاستبانة.

14مقابلة مع خبراء ومتابعين لوضع السوريين في تركيا ومسؤولين في منظمات المجتمع المدني التي تقوم بأنشطة موجهة للشباب وعدد من الدعاة، وقد كان الهدف من هذه المقابلات اختبار درجة اطلاع المنظمات المهتمة ببرامج الشباب على احتياجات هذه الشريحة، ومحاولة معرفة فيما إذا قامت هذه المنظمات باستهدافها والبرامج التي تم تصميمها من أجلها.

وقد ركزت الورقة على متابعة الجوانب السلبية التي طرأت على الشباب أكثر من متابعة الجوانب الإيجابية، في محاولةٍ لرسم خارطة احتياجات كاملة لهذه الشريحة يمكن أن تشجع الجهات المعنية والمنظمات، وتحثّهم على ضرورة الانتباه إلى هذه التغيرات والعمل على تداركها مبكراً، لاسيما وأن الشريحة المدروسة لديها إمكانيات كبيرة، ويمكن أن تُظهر تفاعلات إيجابية فيما لو حصلت على اهتمام ومتابعة ومشاريع تناسب احتياجاتها كما أثبتت التجربة التي أوردناها في هذه الورقة.


وقد اعتمدت الورقة في تقييم التغيرات الدينية والنفسية والاجتماعية والسلوكية على التقييم الذاتي الذي قدمته الشريحة المستهدفة مقارنة بواقعها السابق؛ وذلك لتقديم استقراء أولي يمكن أن يشجع ذوي الاختصاص لاحقاً على تعقب هذه التغييرات بالمزيد من الدراسات التخصصية التفصيلية.


وقد واجه فريق البحث العديد من الصعوبات خلال جمع البيانات، منها:


  • عدم تجاوب القائمين أو المستثمرين لهذه السكنات الشبابية، وعدم رغبتهم بالتعاون أو الحديث عن هذا الموضوع.
  • التحفظات الواضحة لدى بعض مَن خاض هذه التجربة لإجراء المقابلات بشكل مباشر أو الحديث عن واقع تلك السكنات، خاصة أولئك الذين ما زالوا يقيمون فيها؛ فلم يتجاوب مع المقابلات إلا أولئك الذين سبق لهم أن جربوا هذه التجربة لفترات متفاوتة ثم غادروا السكنات.
  • ضعف تجاوب شريحة الإناث اللواتي خضن هذه التجربة، حيث كان تجاوبهن مع الاستبانة والمقابلات أضعف بشكل كبير من الذكور.
  • ناقشت الورقة في قسمها الأول الظروف والأسباب التي أدت إلى ظهور فكرة السكن الشبابي، وتطرقت إلى أنواعه وأنماط القاطنين فيه، بالإضافة إلى تسليط الضوء على علاقة هذه السكنات مع الجوار التركي، فيما استعرض القسم الثاني المشاكل التي تحدث في السكنات الشبابية وتندرج ضمن أطر عدة، كمشاكل التواصل وفقدان الخصوصية، بالإضافة إلى التعرض للسرقات والاستغلال والمشاكل القانونية.
  • وقد استعرضت الورقة في القسم الثالث بعض أنماط التغيرات التي طرأت على القاطنين في السكن الشبابي، سواء كانت تلك التغيرات إيجابية أم سلبية، فيما ناقش القسم الرابع جوانب الاختلاف بين سكنات الذكور وسكنات الإناث وتطرق للسكنات المختلطة.
  • أما القسم الخامس فاستعرض الأولويات والاحتياجات اللازمة لهذه الشريحة، في حين حاول القسم السادس الإحاطة بجهود المنظمات والجمعيات السورية والمشاريع التي قدمتها لهذه الشريحة، واختُتم القسم الأخير من الورقة بمجموعة من النتائج والتوصيات الموجهة للمعنيين في هذا الخصوص.


 لمحة تعريفية بالسكن الشبابي

نشأت ظاهرة السكن الشبابي نتيجة احتياج شريحة واسعة من الشباب العزّاب ممن قدموا إلى تركيا دون عائلاتهم إلى سكن رخيص، لاسيما وأن العديد منهم واجهوا صعوبة كبيرة في استئجار المنازل في تركيا، فإلى جانب رفض كثيرين من أصحاب المنازل تأجير منازلهم لأجانب كان الرفض مضاعفاً لتأجير هذه المنازل لشباب ذكور عزّاب دون عائلات؛ وذلك خوفاً من المشاكل التي يمكن أن تحدث داخل المنزل أو مع الجيران.

السكن الشبابي

هو منزل يقطن فيه عدد كبير من الشباب العزّاب، يحصل كل منهم فيه على سرير وخزانة، ويتشاركون فيما بينهم بالمرافق العامة والمرافق الصحية، وهو يختلف عن السكنات الطلابية أو السكنات الجامعية، ويُدار السكن لهدف استثماري من قبل فرد أو جهة.


أنواع السكنات الشبابية

عند دراسة أنواع السكن الشبابي في تركيا يمكن ملاحظة أنواع عدة من هذه السكنات تختلف وفقاً لعدد من العوامل، حيث يمكن أن نصنفها وفقا لما يلي:

  • السكن وفقاً لجنس النزلاء:
  • سكن الذكور: وهو أكثر الأنواع انتشاراً.
  • سكن الإناث.
  • السكن المختلط: الذي يمكن أن يقيم فيه ذكور وإناث في نفس المنزل، دون أن توجد بينهم روابط قرابة أو سابق معرفة.
  • السكن وفقاً للجهة الإدارية:
  • السكن الاستثماري: يتبع هذا السكن لمستثمر قام باستئجار المنزل وفرشه بعدد كبير من الأسرّة الطابقية، ثم تأجيره لعدد من النزلاء شهرياً أو يومياً بهدف الاستثمار، وتكون الأجرة في بعض الأحيان شاملة للفواتير ما لم تتجاوز حداً معيناً، وقد تبقى الفواتير على عاتق النزلاء في حالات أخرى.
  •  ويتصف هذا النوع من السكن بأسعاره المقبولة، وبارتفاع أعداد القاطنين فيه الذين يتشاركون جميعاً في المرافق المشتركة، وغالباً ما يُدار هذا السكن من قبل أفراده الذين يصلون إلى اتفاق مشترك فيما بينهم، أو يوكل صاحب السكن أحد النزلاء في حالات معينة بإدارة السكن ومتابعة مشاكله مقابل تخفيض في الأجرة أو إعفاء منها.
  • سكن الأقارب أو الاصدقاء: منزل مشترك يضم مجموعة من الأفراد أو الأقارب أو الأصدقاء العزّاب يقطنون في نفس المنزل الذي قام باستئجاره واحد منهم، وهو يتشابه في كثير من النواحي مع السكن الاستثماري ولكنّ القاطنين أقل عدداً وأكثر تجانساً[5].
  • السكن التابع لمنظمات مجتمع مدني: سكن يقع تحت إشراف وإدارة إحدى المنظمات، وغالباً ما يستهدف طلاب الجامعات، ويقدم خدمات إضافية كالطعام والتنظيف في بعض الأحيان بالإضافة إلى فعاليات ثقافية وفكرية، وقد يقدم السكن لبعض نزلائه منحة كاملة أو منحة جزئية على حساب المنظمة.
  • السكن التابع لجهات دعوية أو أوقاف: وهو في أغلب الأحيان سكن يتبع لجهات تركية، حيث يتكون السكن غالباً من بناء كامل أو مزرعة فيها العديد من الغرف والأسرّة، ويستقبل الطلاب من مختلف الجنسيات بشكل مجاني، ويقدم خدمات خاصة كالطعام وبعض الفعاليات الدعوية.
  • السكن وفقاً لشريحة النزلاء
  • السكن الطلابي: وهو يستقبل طلاب الجامعات ممن هم على مقاعد الدراسة الجامعية حالياً.
  • السكن العام: لا قيود فيها على استقبال النزلاء؛ حيث يمكن أن يستقبل النزلاء من كافة الأعمار والجنسيات والخلفيات.
  • السكن المخصص لشريحة معينة: كسكن الأرامل والمطلقات، وعددها محدود جداً في تركيا، أو السكن التابع لبعض أنماط العمل ( سكن ملحق بورشات أو مخابز).
  • السكن وفقاً لأعداد النزلاء[6]:
  • السكنات الصغيرة: وهي عبارة عن شقق سكنية عادية تتراوح عدد غرفها بين 3 غرف و5 غرف بما فيها غرفة الاستقبال، وهذه السكنات هي الأكثر انتشاراً وتستقبل بين 12 -20 شخصاً.
  • السكنات الكبيرة: حيث يقوم المستثمر باستئجار بناء كامل أو مجموعة من الشقق المتجاورة يمكن أن تأخذ نمط الشقق “الدوبلكس”، أي الشقق المكونة من طابقين، أو المنازل المستقلة التي تكون ذات مساحة أكبر وعدد غرف أكثر، خاصة في الأحياء الشعبية التي تكون فيها أجرة المنازل منخفضة.
  • ستركز هذه الدراسة على نمط السكن الاستثماري المفتوح للعموم وسكن الأقارب والأصدقاء، باستثناء السكنات الطلابية أو التابعة لجهات وقفية أو دعوية أو منظمات مجتمع مدني.
  • كما ستركز الدراسة في مجملها على سكنات الذكور بشكل رئيسي، ثم ستتطرق للحديث عن سكنات الإناث والسكنات المختلطة؛ وذلك بالإضاءة على جوانب الاختلاف بينها وبين سكنات الذكور.
  • وستركز على الجوانب والتغيرات السلبية؛ لأنها قد تعكس جانباً مهماً من احتياجات هذه الشريحة.

وبالعودة إلى الدوافع وراء لجوء عينة الدراسة إلى هذا النمط من السكنات تُظهر نتائج الاستبانة العامل المادي كأحد أهم الأسباب التي دفعت الشباب إلى هذه التجربة بنسبة 65%، يأتي في المرتبة الثانية الصعوبات التي اعترضتهم في استئجار منازل[7] بنسبة 37%، ثم الرغبة في السكن قرب مكان العمل لتوفير الوقت والمال المنفق في المواصلات بنسبة 18%. وإلى جانب ذلك كان لغياب الأسرة أثر كبير في دفع الشرائح العمرية الصغيرة والقصّر للسكن في هذه السكنات، لاسيما وأنها قدمت بيئة اجتماعية بديلة للأسرة أمّنت لسكانها حالة من الاستئناس بالرفقة والأقران في مجتمع غريب عليهم له ثقافة ولغة مختلفة، وبما يخفف عنهم وطأة الغربة التي فُرضت عليهم (الشكل 2).

 أسباب اختيار السكن الشبابي


ورغم أن الإجابات السابقة تُظهر تراتبية في الأسباب الدافعة لاختيار مثل هذا النمط من السكن، إلا أنه من الواضح من المقابلات أن هذه الأسباب مجتمعة قد تكون وراء دفع الشباب لخوض هذه التجربة، خاصة أولئك الذين قدموا وحدهم إلى بيئة جديدة لا يعرفون فيها أحداً.

وقد تزايدت أعداد السكنات الشبابية بين عامي 2013-2016، وهي الفترة التي شهدت أكبر موجات لجوء إلى تركيا وأوروبا بشكل عام؛ فقد لبّت هذه السكنات احتياج الإقامة المؤقتة والرخيصة للكثير من الشباب القادمين إلى تركيا بنيّة العمل أو الذهاب إلى أوروبا، وتعامل معها الكثير من السوريين على أنها مشروع استثماري مربح[8]، دون أن ينتبهوا إلى كونها فرصة وبيئة يمكن استثمارها بشكل إيجابي أو سلبي ولها انعكاسات واضحة على الشباب.


ومع التشديدات التي فُرضت على دخول السوريين إلى تركيا عام 2016 إثر الاتفاقية التي وقعت مع الاتحاد الأوروبي، والتي تلزم تركيا بضبط حدودها وضبط الهجرة غير الشرعية[9]، بدأت أعداد الوافدين إلى تركيا بالتناقص بشكل واضح، وثبتت معها أعداد السكنات الشبابية، وبدأ الكثير من الشباب الموجودين في تركيا بتغيير خططهم والتفكير بالعمل أو الاستقرار بعد أن أصبح حلم اللجوء إلى أوروبا أكثر صعوبة.

وحول أعداد السكنات الشبابية لا تتوفر إحصائيات واضحة توضح العدد أو التوزع؛ نظراً لكونها شكلاً من أشكال الاستئجار عبر طرف ثالث (الشكل 3)، إلا أنها منتشرة بشكل ملاحظ في الأحياء التي يتجمع فيها السوريون، وتشير بعض التقديرات إلى وجود عشرات السكنات الشبابية في بعض الأحياء في مدينة إسطنبول على سبيل المثال[10].

 شكل العلاقة الإيجارية

ويمكن اعتبار يئة السكنات الشبابية بيئة مهمشة ومنغلقة؛ فمن الصعوبة بمكان الوصول إلى معلومات تفصيلية عن واقع السكنات الشبابية، خاصة من أشخاص ما زالوا يقيمون فيها[11]، فالكثير مما يجري في هذه السكنات يُحاط بنوع من الكتمان؛ إما لوجود بعض التجاوزات القانونية أو الأخلاقية وإما خوفاً من انتقام بعض الأشخاص الذين لا يرغبون بلفت الانتباه إلى ما يقومون به.


ومع مرور الوقت بدأت السكنات الشبابية تظهر بعض الاستقرار، من خلال ثبات عدد من النزلاء فيها، والتحول في بعض أنماطها، من خلال ظهور سكنات أكثر تجانساً، سواء من الناحية الدينية أو المناطقية، حيث كان هذا التجانس وسيلة للتخفيف من حدة الخلافات بين النزلاء، ولجعل بيئة السكن أكثر راحة واستقراراً لقاطنيه.

يتراوح متوسط أجرة السرير الشهري بين 250-400 ليرة تركية[12] للغرف الرباعية أو السداسية، بينما قد تصل كلفة الشخص إلى 600 -800 ليرة في الغرفة الثنائية أو الفردية[13]، إلا أن هذه الأرقام يمكن أن تتغير بين فترة


لأجرة الشهرية في السكنات الشبابية


وأخرى، وتتعلق بالدرجة الأساسية بموقع البيت وقربه من السوق أو من المواصلات، وعدد الأشخاص في المنزل وسمعته، فيمكن أن تزيد أجرة السرير في الغرفة الرباعية أو السداسية عن المتوسط أو تقل عنه بناءً على العوامل السابقة .

تقدم السكنات الشبابية عموماً للنزلاء سريراً للنوم وخزانة للملابس، بالإضافة إلى مرافق مشتركة (المطبخ والحمامات وغرفة الاستقبال إن وجدت)، وتشمل الأجرة الشهرية الفواتير المنزلية كفواتير الكهرباء والماء والغاز والإنترنت، وقد تقدم السكنات التي تقع تحت إشراف بعض الجهات خدمات أخرى، كالطعام المطبوخ والتنظيف وبعض الفعاليات؛ إلا أن هذه الخدمات غالباً ما تتراجع كمّاً ونوعاً مع مرور الوقت.


وتستقبل السكنات الشبابية أعداداً كبيرةً من النزلاء، حيث تشير نتائج العينة إلى أن 40% من السكنات الصغيرة تستقبل بين 8-12 شخصاً، بينما تستقبل 28% أعداداً تتراوح بين 13-20شخصاً، أما السكنات الكبيرة فقد استقبل 86% منها أعداداً تراوحت بين 21-50 شخصاً (الشكل 5)، بينما أشار 58% من الإجابات إلى أن أصحابها يقطنون حالياً في غرفة تضم أربعة أسرّة على الأقل (الشكل 6).


أنماط الشباب في السكن الشبابي

يُعد السكن الشبابي من البيئات غير المتجانسة التي تضم أعداداً من الشباب من مختلف الشرائح العمرية، ومن مختلف الخلفيات الدينية والأخلاقية الثقافية والتعليمية والمناطقية أيضاً.


تشير نتائج الاستبانة إلى حالة واضحة من التنوع وعدم التجانس؛ فمن الناحية العمرية تظهر نتائج الاستبانة أن أغلبية قاطني السكن الشبابي هم من الشريحة العمرية بين 18-30 عاماً، بنسبة وصلت إلى 86%، مع وجود نسبة من القصّر بلغت 4%[15]، ومن الناحية التعليمية تُظهر النتائج أن 31% من قاطني السكن الشبابي يحملون شهادة جامعية، بينهم 2% يحملون شهادات عليا.


وبالنسبة للناحية الاجتماعية تظهر النتائج أن 95% من العينة المستطلعة آراؤها هم من الذكور[17]، و74% من قاطني السكن الشبابي هم من العزّاب، بينما ينقسم البقية بين متزوجين تركوا عائلاتهم بحثاً عن مصدر رزق أو مطلقين، كما يضم السكن أيضاً شرائح من الشباب العاملين بشكل مستمر بنسبة 42% أو بشكل متقطع بنسبة47%، بالإضافة إلى طلاب الجامعات الذين لم يجدوا مكاناً في السكنات الجامعية النظامية، وعاطلين عن العمل .

ومن جهة أخرى يمكن أن يضم السكن شباباً من مختلف الجنسيات، خاصة الجنسيات العربية، إلى جانب بعض الجنسيات غير العربية كالجنسيات الإفريقية والأفغانية، وبعض الأتراك ولكن بشكل محدود، كما يمكن أن يضم السكن أشخاصاً ذوي أخلاق حسنة وآخرين ذوي أخلاق سيئة، وربما تورط بعضهم ببعض المشاكل القانونية أو الأخلاقية.

كما توفر السكنات الشبابية ملجأ للمراهقين الفارّين من عائلاتهم؛ فهي توفر لهم مكاناً رخيصاً للإقامة، لاسيما وأن مثل هذه السكنات تقبل وجودهم دون قيود أو ضوابط أو أوراق رسمية طالما أنهم يدفعون الأجرة الشهرية[18].

 يمكن أن تشاهد في السكن الشبابي أنماطاً غريبة من الشباب، كالمتطفل، والانتهازي، والملتزم، والملحد، والمزاجي، والعصبي الهجومي، والهادئ جداً، والمحافظ على الصلاة، والذي يداوم على الشتائم أو الكفر، …إلخ، وهو مزيج يصعب أن تتخيله في مكان ما

العلاقة مع الجوار التركي

يثير السكن الشبابي حفيظة المجتمع التركي، لاسيما وأن الشعب التركي عادة شديد الاهتمام فيما يتعلق بمواضيع النظافة والضجيج، كما يُبدي في العموم تحفظات بشأن تأجير العائلات الأجنبية، وتصبح هذه التحفظات أكبر عندما يكون المستأجرون مجموعة من الشباب العزّاب دون عائلاتهم.


ويمكن تلخيص الأسباب التي يمكن أن تثير حفيظة الجيران الأتراك من وجود سكن شبابي قريب بما يلي:


  • الأعداد الكبيرة للقاطنين في السكن والتي يصعب من خلالها تمييز القاطنين في الشقة من الزوّار والأصدقاء، خاصة إن كان هؤلاء القاطنون يتغيرون بشكل دوري.
  • التخوف لكون جميع القاطنين من فئة الشباب، خاصة مع ما يُشاع حول الشباب السوريين من قيامهم بالتحرش بالنساء أو الاعتداء عليهن
  • ثير وجود أعداد كبيرة من السوريين في مناطق محددة مخاوف عند شريحة من الأتراك قد تكون غير مبررة أو مبالغ بها، فعلى سبيل المثال: خلال حديثي مع طالبة ماجستير تركية أشارت إلى أنها تتجنب المرور في بعض الأزقة والحارات في منطقة الفاتح وتفضل الذهاب في طريق أطول، حتى تتفادى المرور أمام المحلات السورية التي يقف أصحابها أو العاملون بها خارج محلاتهم محدقين بالمارّة وخاصة النساء، أو يسمعونهم بعض الجمل التي قد تكون شكلاً من أشكال التحرش اللفظي


 واقع الحياة في السكن الشبابي

تقدم تجربة السكن الشبابي لمحة عن تشكيلات اجتماعية جديدة بديلة عن الأسرة، بدأت تتشكل نتيجة ظروف غير طبيعية اجتمعت فيها آثار الحرب وتداعياتها مع آثار النزوح والتهجير، حيث تشهد هذه التشكيلات الجديدة الكثير من الأوضاع غير المقبولة التي قد تجعلها بيئة اجتماعية لا تساعد بالضرورة على نمو الفرد بشكل طبيعي وإيجابي.

ويمكن توصيف واقع الحياة في السكن الشبابي وفق ما يلي:


فقدان الهدوء والطمأنينة:

توافقت معظم نتائج المقابلات على أن بيئة السكن الشبابي لم تكن بيئة مريحة لقاطنيها، ولم تقدم لهم بديلاً مناسباً عن منزل العائلة؛ لأنها بيئة تكثر فيها المشاكل وتفتقد للهدوء والطمأنينة، وتشير نتائج الاستبانة إلى أن 53% أشاروا إلى وجود المشاكل مع زملائهم في السكن (الشكل8)، وهو أمر متوقع نتيجة وجود شباب من خلفيات متنوعة وأعمار مختلفة تعرضوا لتجارب مختلفة، وأجبرتهم الظروف أن يتشاركوا مساحة ومرافق محدودة دون وجود سلطة رادعة أو رقيب.

 انتشار المشاكل في السكن الشبابي


وتشير النتائج التفصيلية إلى أن الإحساس بوجود هذه المشاكل نتيجة السكن المشترك هو إحساس مشترك عند مختلف الفئات الموجودة، بغض النظر عن فترة الإقامة أو عن المستوى التعليمي، وإن كان يبدو بشكل واضح لدى شريحة الإناث بنسبة 65% أيّدْنَ وجود هذه المشاكل مقارنة بشريحة الذكور، كما أن هذا الإحساس يزداد وضوحاً عند الشرائح العمرية الأكبر، ويظهر بشكل أكبر لدى الشريحة الأعلى تعليماً – حملة الشهادة الجامعية أو الدراسات العليا – بنسبة 73% .


 هناك عُرف منتشر في بعض السكنات الشبابية، ينص على أن طرفَي المشكلة يُطردان من السكن من قبل مستثمر السكن، وذلك في محاولة منه لتقليل المشاكل داخله.


ويمكن إجمال أسباب المشاكل الكثيرة التي تحدث في السكنات الشبابية بما يلي:

  • غياب المعايير والضوابط في قبول المقيمين: تقوم معظم السكنات الشبابية بقبول النزلاء والقاطنين دون أي معايير، ودون طلب أي أوراق ثبوتية في الكثير من الأحيان، وهو ما يجعل السكن الشبابي مأوى لأصحاب المشاكل القانونية أو القصّر الهاربين من عائلاتهم.
  • جاء ساكن جديد من مرسين ليسكن معنا، ولكن وبعد خمسة أيام تفاجأنا بمداهمة مجموعة من الرجال المسلحين للسكن الذي نقيم فيه، حيث اتضح أنهم عصابة تبحث عن هذا الساكن الذي تورط معهم سابقاً وسرق منهم مبلغاً من المال، وقد قاموا بأخذه إلى جهة مجهولة، ولم يتجرأ أحد منا على تبليغ الشرطة لأن غالبيتنا لا تحمل أوراقاً نظامية، وسنبقى في الشارع لو طردنا صاحب السكن. 


عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه داخلياً من قواعد لإدارة السكن، خاصة ما يتعلق بموضوع النظافة: يتوافق نزلاء السكن عادة على قواعد فيما بينهم تتعلق بمسؤولية كل منهم، خاصة فيما يتعلق بالمرافق المشتركة؛ إلا أنه من الشائع أن يرفض أحد النزلاء في وقت ما أداء مهام التنظيف الموكلة إليه، وهو ما يُعد السبب الرئيسي لحدوث المشاكل في السكن، حيث يكون بقية النزلاء أمام خيارين: إما أن يقوم الآخرون بعملية التنظيف متجاوزين تقاعس أحد النزلاء، وإما إضراب البعض أو الجميع عن أداء مهامهم، وهو ما يعني بقاء السكن في حالة غير مناسبة وينعكس بشكل ما على الحالة النفسية للنزلاء.

الضيوف أو الدخلاء: تتسبب استضافة بعض النزلاء ضيوفاً بمشاكل، لاسيما إن كان السكن مكتظاً، أو إن أساء هؤلاء الضيوف لنظافة المكان أو انتهكوا بعض القواعد المعتمدة، كالتدخين أو السهر أو إحداث الضجيج أو عدم الالتزام بأوقات الدخول والخروج إن كانت موجودة.

استعمال الأغراض الشخصية للآخرين: كاستخدام شفرات الحلاقة، أو الملابس الداخلية أو الخارجية، أو حتى الطعام الخاص بنزيل آخر.

الإزعاج المتكرر: نتيجة لتضارب أوقات المقيمين في السكن قد يتسبب البعض بإزعاج الآخرين، سواء بالسهر لوقت متأخر أو سماع الموسيقا أو التسبب في مشكلة مع الجوار التركي.

النفقات الإضافية: التي تحدث نتيجة ارتفاع الفواتير بسبب الاستخدام المبالغ به من قبل بعض النزلاء، أو تكاليف الصيانة للأجهزة الكهربائية أو المرافق المشتركة.

-صعوبات التواصل

يفتقد الشباب في السكن لغة حوار مشتركة؛ فنظراً لحالة عدم التجانس فيما بينهم يصعب في بعض الأحيان عليهم إنشاء حديث مشترك أو النقاش في مشاكلهم، لاسيما وأن بدهيات الحوار مفقودة لديه، وقد يحاول البعض فرض رأيه أو توجهه ومحاولة إقناع الاخرين به ولكن على نطاق محدود؛ فأغلب الشباب لا يجتمعون في وقت واحد، وكل منهم منهمك في مشاكله ومسؤولياته.


وتغيب عن نزلاء السكن الشبابي أي نقاشات خارج مواضيع الحياة اليومية الروتينية؛ وذلك لتفاوت درجة الوعي والاهتمام من جهة، ولأن فترات العمل الطويلة ترهق الشباب حيث يسعون لنيل قسط من الراحة في المنزل، وتنتهي بعض هذه النقاشات إن حدثت بمشاجرات، حيث يغيب عن الشباب معرفة أدنى قواعد الحوار أو تقبل وجهات النظر المختلفة.

ومن جهة أخرى فقد تغير نمط اهتمام الشباب؛ فلم يعد الموضوع السوري حاضراً بينهم، بل أصبحت أغلب أحاديثهم تتركز على مشاكل العمل، وحول بعض الألعاب، والوضع الداخلي التركي السياسي والاقتصادي.

 من الملاحظ تحول اهتمامات بعض الشباب خاصة في المجال السياسي نحو ما يتعلق بالسياسة التركية الداخلية أكثر من اهتمامهم بما يتعلق بالوضع السوري؛ فنظراً لدخولهم سوق العمل واختلاطهم مع الأتراك بدأت هذه الشريحة بمتابعة الأغاني والمسلسلات التركية، وتحولت أغلب النقاشات إلى نقاشات حول الحياة السياسية وشعارات الأحزاب وخططها ووعودها، وتأثير هذه السياسات على الوضع الاقتصادي والمعاشي.

ومن الملاحظ أن السكنات بعد أن تستقر من حيث أعداد القاطنين فيها، بأن يتحدد الذين ينوون البقاء فيه لفترات طويلة يبدأ السكن بالانقسام الداخلي، وتظهر الشلل والتحزبات، خاصة من الأشخاص الذين يحاولون أن يفرضوا سيطرتهم أو وجودهم بشكل ما على الموجودين، وغالباً ما تتسم هذه الشللية بسمات مناطقية أو سياسية (كالانتماء للثورة أو مناصرة نظام الأسد)، والتي تكون في بعض الأحيان أحد الأسباب المهمة في اندلاع المشاكل.

فقدان الخصوصية:

تتسبب الحياة في السكن الشبابي بفقدان صاحبها للخصوصية؛ نظراً لمشاركته عدداً كبيراً من الأفراد في مكان الإقامة، حيث يصعب على أي فرد منهم إجراء حديث هاتفي خاص أو الاحتفاظ بمقتنياته الشخصية، وهو ما يفسح للبعض مجالاً بالتدخل في بعض الخصوصيات أو التطفل عليها.

وتشير إجابات الاستبانة إلى أن 68% يعتبرون أن بيئة السكن أفقدتهم الخصوصية، وقد بدا هذا الأمر بشكل أوضح عند الذكور أكثر من الإناث؛ وهو ما يمكن تفسيره بأن سكنات الذكور تضم أعداداً أكبر من سكنات الإناث[30] (الشكل توفر الخصوصية في السكن الشبابية


كما تشير النتائج التفصيلية إلى أن الشعور بفقدان الخصوصية يزداد عند الشرائح الأكبر عمراً ، كما أنه كان أوضح عند الفئات الأكثر تعليماً، بنسبة وصلت 75% لحملة الشهادة الجامعية أو الدراسات العليا، و79% عند حملة شهادة المعاهد المتوسطة 

ويمكن تفسير الشعور بغياب الخصوصية بأنه أحد نتائج ارتفاع عدد المقيمين في المنزل الواحد؛ فمهما كان المنزل كبيراً من الصعب أن يستوعب هذه الأعداد من القاطنين، وأن يعطي مساحة لكل منهم تسمح له بالحصول على الخصوصية المطلوبة، وبالتالي فإن غياب الخصوصية قد يكون سبباً أساسياً لحدوث المشاكل نتيجة تطفل البعض أو تدخلهم في شؤون غيرهم.

ولعل أبرز تداعيات غياب الخصوصية هو اضطرار البعض تبديل ملابسه أمام الآخرين، نتيجة للمساحة المحدودة التي يحظى بها المقيم في السكن الشبابي والمرافق الصحية التي يشترك بها مع غيره، وكذلك صعوبة منع الآخرين من استخدام أغراضه الشخصية، بما في ذلك الملابس الداخلية.

 التعرض للسرقات:

لعل أبرز ما تتسم بها السكنات الشبابية هو كثرة تعرضها للسرقات نتيجة تبدل القاطنين فيها بشكل متكرر؛ حيث إن معظم حالات السرقة تتم من أحد القاطنين، خاصة أولئك الذين يقيمون لفترات قصيرة؛ فهذا النمط من السارقين يدرك جيداً طبيعة الحياة والمقيمين في هذه المنازل، ويعرف أن معظم القاطنين في السكن يعانون من مشاكل في وضع الإقامة القانوني، وهو ما سيمنعهم من اللجوء إلى الشرطة.

وتشير نتائج الاستبانة إلى أن 51% يرون أن السكن الشبابي يزيد نسبة تعرضهم للسرقة (الشكل10)، وأن هذه الحالات تلاحظ بغض النظر عن مدة الإقامة، كما أنها تلاحظ بشكل أوضح في سكنات الذكور أكثر من سكنات الإناث، كما أن هذه الحالة ملاحظة لدى مختلف الفئات العمرية ومن مختلف المستويات التعليمية (الشكل 44 في الملحق).

:حوادث السرقة في السكنات الشبابية


ويركز السارقون عادة على الجوالات والأجهزة الإلكترونية والأموال وجوازات السفر، وفي بعض الأحيان ومع أن بعض السكنات لجأت لتركيب كاميرات مراقبة داخلية إلا أن هذه الإجراءات لم تفلح غالباً في الحد من السرقات؛ لأنها تُركب في المرافق المشتركة وليس ضمن الغرف، وتتسبب هذه الحوادث بمشاجرات تنتهي بتفتيش الغرف وإجبار القاطنين على القسَم على المصحف أو اللجوء إلى  التهديد أو الضرب في بعض الأحيان في محاولة لمعرفة الفاعلين، حيث نادراً ما يفكر المتضررون باللجوء إلى الشرطة؛ نظراً لأوضاعهم القانونية غير النظامية من جهة، ولعدم تفاعل سُرق لأحد الشباب معنا مبلغ 2000 ليرة تركية مع هاتفه، وذلك في وقت كان السكن الذي يضم 10 أشخاص شبه خال، حيث لم يتواجد فيه سوى شابين فقط، وقد قام الشاب بإجبار جميع القاطنين على الحلفان على المصحف، وعندما لم يصلوا إلى السارق استعان المتضرر ببعض معارفه الذين يعملون بأمور غير قانونية، حيث قاموا بضرب الشابين الذين تواجدا في مكان السرقة على مدى يوم كامل لإجبارهم على الاعتراف، لكنهم لم ينجحوا في الوصول للفاعل، والذي اتضح لاحقاً بعد مراجعة الكاميرات خارج المنزل أنه شخص آخر يقيم في نفس السكن ولكنه دخل المنزل خلسة وقام 

الأوضاع الصحية

تُعد السكنات الشبابية بيئة لا تتوافر فيها الظروف الصحية المناسبة للعيش؛ فحالة الاكتظاظ التي تعاني منها السكنات وتبدل القاطنين فيها بشكل كبير يفسح المجال لانتشار الأمراض، كما أن غياب النظافة يؤدي غالباً إلى انتشار الحشرات والقوارض والسوس والقمل والجرب، وقد تتسبب بعدوى جماعية يصعب التخلص منها إلا بمكافحة مكثفة وعلى المدى الطويل، وقد يتطلب الأمر -في بعض الأحيان – تغيير كافة المفروشات التي لا يمكن مكافحة الحشرات التي نمت داخلها، وهو ما يعني كلفة قد لا يتحملها القاطنون في السكن.

 واقع النظافة في السكنات الشبابية


وتشير نتائج الاستبانة إلى أن 62% من العينة يرون أن غياب النظافة مشكلة واضحة في معظم السكنات الشبابية (الشكل 11)، ويزداد هذا الإحساس عند الأشخاص الذين قضوا وقتاً أطول في تلك السكنات[32] ، كما تظهر هذه الحالة بشكل واضح في سكنات الذكور بنسبة63% مقابل 42% في سكنات الاناث، كما يرتفع الإحساس بغياب النظافة عند الشرائح العمرية الأكبر


 توافر الطعام الصحي


وتُظهر نتائج الاستبانة أن 40% من العينة تشير إلى أنها حلت مشكلة الطعام الصحي، فيما لا يزال 37% من العينة يعانون من هذه المشكلة (الشكل 12)؛ حيث تبدو مشكلة عدم توفر الطعام الصحي حاضرة بشكل كبير في سكنات الذكور بنسبة38%، مقارنة بسكنات الإناث بنسبة 16% ، وتظهر بشكل أوضح عند الشرائح الأكبر سناً  .

ومن جهة أخرى قد يضم السكن بعض الشباب الذين لديهم أمراض وراثية أو أمراض معدية أو من ذوي الاحتياجات الخاصة أو مصابي الحرب، والذين يفترض أن يحظوا برعاية صحية خاصة؛ إلا أن الشاب المريض لا يجد من يقوم باحتياجاته، بل على العكس قد يضطر للعمل وأداء مسؤولياته رغم مرضه وإصابته، وهو ما قد يفاقم من حالته الصحية.

وتشير نتائج الاستبانة إلى وجود 18% من العينة المستطلعة آراؤها يعانون من مشاكل صحية كإصابات الحرب بنسبة 8%، والأمراض المزمنة بنسبة 4% والإعاقات الحركية بنسبة 3% والأمراض الوراثية بنسبة3% (الشكل 13)، في حين يحتاج 39% من قاطني السكن الشبابي إلى أدوية ورعاية صحية، 15% منهم يحتاجونها بشكل مستمر  .

يغير السكن الشبابي من إيقاع الحياة الاعتيادي، خاصة عند العاطلين عن العمل؛ حيث يختفي مفهوم الليل والنهار لديهم ويتبدل، وهو ما قد يؤثر على حالتهم النفسية والصحية في آن واحد.

الأوضاع القانونية

يمكن تقسيم المشاكل القانونية المنتشرة في السكن الشبابي إلى نوعين:

  • مشاكل حيازة أوراق الإقامة القانونية
  • رغم أن السكنات الشبابية تُعد الخيار الأول لذوي الدخل المحدود الذين قدموا دون عائلاتهم، إلا أنها أيضاً الخيار الوحيد للنزلاء الذين لا يملكون أوراقاً ثبوتية كجواز السفر وأوراق الإقامة الرسمية كبطاقة الحماية المؤقتة “الكيمليك” أو الإقامة السياحية ريثما يستخرجون أوراقاً قانونية، كما أنها تُعد مكان إقامة مناسباً لأولئك الذين يخططون للسفر إلى أوروبا بطريقة غير شرعية.
  • وتشير نتائج الاستبانة إلى أن 15% من العينة ليس لديهم أية أوراق قانونية في تركيا ( الشكل 15)؛ حيث تشير النتائج التفصيلية إلى أن نسبة الذين لا يملكون أوراقاً نظامية تناقصت مع ازدياد المدة التي قضاها الشباب في السكن، وهو ما يمكن تفسيره بتكرار الزيارات الدورية لعناصر الشرطة لهذه السكنات بهدف البحث عن مخالفين، فيما تظهر الإناث أكثر حرصاً على حيازة أوراق قانونية من الذكور.

 الوضع القانوني للمقيمين في السكنات الشبابية


وتشير النتائج التفصيلية  إلى أن نسبة الذين لا يملكون أوراقاً قانونية ترتفع بانخفاض الشريحة العمرية؛ حيث إن 50% من شريحة القُصّر الذين يقيمون في السكن الشبابي لا يملكون أوراقاً قانونية[36]، بينما انخفضت النسبة عند الشريحة بين 18-24عاماً لتصل إلى 17% ، ولتصل إلى 10% عند الشريحة بين25-30 عاماً، فيما ارتفعت نسبة الذين لا يملكون أوراقاً ثبوتية مع انخفاض مستوى التعليم 

ويمكن تفسير ارتفاع نسبة عدم وجود أوراق قانونية لدى شريحة القاصرين إلى وجود صعوبات بيروقراطية؛ إذ لا يمكن للقاصر التقدم للحصول على بطاقة الحماية المؤقتة ما لم يكن شخص بالغ لديه ورقة وصاية رسمية عليه، وبالتالي يتأخر الكثير من القاصرين في تصحيح أوضاعهم القانونية حتى يتمّوا 18 سنة.

أما فيما يتعلق ببقية الشرائح فتشير النتائج التفصيلية الإضافية إلى أن 42% من الشريحة التي لا تملك أوراقاً نظامية دخلت بين عامي 2020-2021، و16% دخلوا عام 2019، و16% دخلوا عام 2018، فيما دخل 27% من هذه الشريحة قبل عام 2017 (الشكل 16). ويمكن تفسير وجود شريحة من الشباب لا يحملون أوراقاً قانونية في تركيا رغم مضي أعوام على وصولهم بأنه قد يعود لحالة من الجهل أو عدم الاهتمام، أو لغياب بعض الوثائق الثبوتية السورية المطلوبة للتسجيل على بطاقة الحماية المؤقتة كالهوية السورية، أو بسبب الإغلاق الحكومي نتيجة جائحة كورونا التي عطّلت وأخّرت الكثير من الإجراءات الحكومية، أو أن بعضهم قد سلموا أوراقهم في وقت سابق بسبب عودتهم إلى سوريا، ولكنهم تراجعوا عن قرارهم في وقت لاحق وعاودوا الدخول إلى تركيا بحثاً عن مصادر دخل أفضل، ودخلوا في دوامة إعادة تفعيل الكيملك المبطل

ومن جهة أخرى تشكل الإقامة في السكن الشبابي مشكلة لبعض القاطنين؛ حيث يصعب استخراج سند إقامة نظامي يثبتون من خلاله مكان إقامتهم، لاسيما عندما لا تكون أسماؤهم مقيدة على عقد الإيجار، وهو ما يسبب لهم مشكلة إضافية عند عمليات تحديث البيانات.

مشاكل تتعلق بوجود بعض الأعمال غير القانونية في بعض السكنات الشبابية

وجود أعمال غير قانونية في السكن الشبابي


وتشير النتائج التفصيلية إلى أن الوعي بوجود أعمال غير القانونية ازداد مع ازدياد الشريحة العمرية ومع ازدياد المستوى التعليمي؛ حيث يبدو أن المتورطين في هذه الأعمال قد يحاولون استهداف الشرائح الأصغر والأقل تعليماً وذلك لسهولة خداعها.


لقد شجعت حالة غياب الرقابة وضعف الإشراف على هذه السكنات بعض المتورطين في الأعمال غير القانونية على السكن والتنقل فيها، حيث كانت هذه السكنات مكاناً مناسباً للتخفي والاختباء عن أعين الشرطة، كما أنها ضمّت شريحة من الشباب يمكن استغلال حاجتها المالية أو وضعها غير القانوني لتوريطها أو استغلالها، وهو ما جعل هذه السكنات موضع ريبة واتهام وهدفاً لمداهمات عناصر الشرطة، سواء نتيجة عمليات التفتيش أو نتيجة شكاوى الجيران من الإزعاج أو الصوت المرتفع أو نتيجة عمليات البحث عن مخالفات تتعلق بأوراق الإقامة أو الحماية المؤقتة.


التعرض للاستغلال

يتعرض الشباب في السكن الشبابي لأنماط مختلفة من الاستغلال؛ فقد يقوم صاحب السكن باستغلال بعض الشباب[43] أو افتعال مشكلة وطرد أحد الشباب – خاصة من هم حديثو عهد في تركيا – دون إعادة ما دفعه، أو إجبارهم على دفع مبالغ إضافية مقابل تصليح بعض الأثاث المهترئ، أو استثمار السكن بشكل يفوق طاقته الاستيعابية، دون أي اهتمام بوضع القاطنين واحتياجاتهم.


وتشير نتائج الاستبانة إلى أن 40% من الشريحة المستطلعة آراؤها تعرضت للاستغلال من قبل صاحب السكن، بينما أجاب 22% بأنهم يعتقدون أنهم تعرضوا لشكل من الاستغلال (الشكل18)، حيث يبدو الاستغلال – الأكيد أو المحتمل – أوضح في سكنات الشباب بنسبة 62% مقارنة بسكنات الإناث بنسبة 46%، كما تُظهر النتائج أن الشريحة دون 18عاماً هي الشريحة التي أظهرت إجاباتها أنها تعرضت لاستغلال مؤكد أو محتمل من صاحب السكن بنسبة أعلى بلغت 82%  

لتعرض للاستغلال في السكنات الشبابية


وقد أشارت بعض المقابلات إلى وجود نمط آخر من الاستغلال من قبل بعض القاطنين في السكن تجاه شباب آخرين، لاسيما الأصغر سناً؛ حيث يقوم المستغلون باستغلال حاجة بعض الشباب للمال وتوريطهم ببعض الأعمال غير القانونية، أو الاستقواء عليهم وسلب أموالهم، أو إجبارهم على أداء خدمات له بالإكراه أو القيام بالتنظيف بدلاً عنهم.

واقع سوق العمل:

 أن الشريحة المدروسة تركز عملها بشكل أساسي في سوق العمل غير الرسمي، خاصة في قطاعات الورشات الصناعية والملابس والأحذية التي استوعبت ما يزيد عن نصف العمالة السورية، يليها قطاع الإنشاءات، ثم قطاع الشركات والمحلات التجارية، ثم قطاع الأعمال الحرة، ثم قطاع المطاعم والمخابز السورية، ويتوزع البقية في قطاعات عمل متفرقة كصيانة السيارات والعمل في نقل وبيع الفحم والزراعة والإعلام والتعليم وغيرها بنِسَب بسيطة.


وقد اتسمت قطاعات العمل بحالة من الاستغلال، سواءٌ من أرباب العمل السوريين أو الأتراك؛ إذ تشير النتائج إلى أن 92% من العمال السوريين من الشريحة المدروسة يعملون أكثر من 8 ساعات عمل يومياً (45 ساعة عمل أسبوعياً)، بينهم59 % يعملون لما يزيد عن 65 ساعة أسبوعياً، دون الحصول على تعويض مالي يتناسب مع العمل الإضافي، أو الحصول على حد مقبول من الإجازات أو الحقوق القانونية.


ومع ظروف العمل الطويلة والشاقة يتلقى 75% منهم رواتب أقل من الحد الأدنى من الأجور والبالغ 2825 ليرة تركية؛ حيث يتقاضى 50% منهم متوسط أجور شهري يتراوح بين 1500-2500 ليرة تركية (175 -300 دولار)، فيما يتقاضى 25% رواتب تزيد عن 2500 ليرة، فلم تتناسب معدلات الرواتب مع ساعات العمل الطويلة؛ إلا أن حيازة ملكات لغوية متقدمة يمكن أن تزيد فرصة الحصول على راتب أعلى في بعض الأحيان.



وحول الوضع القانوني للعاملين السوريين في السوق التركية فإن90% من الشريحة المدروسة يعملون بشكل غير نظامي ودون تراخيص عمل رسمية، رغم أن 85% منهم ليس لديهم أي عائق قانوني لاستصدار هذه التراخيص؛ إنما يرجع السبب الرئيسي لتهاون أرباب العمل والرغبة في التهرب من دفع التأمينات الاجتماعية في محاولة لتخفيض تكلفة الإنتاج.


ومن الملاحظ أن هناك نسبة من العمال يُعتبرون عمالاً مؤهلين “أكثر من المطلوب” من حملة الشهادات الجامعية بنسبة 20% من إجمالي العاملين من هذه الشريحة، حيث يعملون في مِهن منخفضة الكفاءة وفي غير اختصاصاتهم، وهو ما يتسبب بخسارة مضاعفة؛ تعود عليهم كأفراد نتيجة عدم استغلال إمكاناتهم الكاملة وتوظيفها في مجالها، وخسارة أيضاً للاقتصاد التركي، حيث يُعاقبون مرتين في سوق العمل؛ أولاً لعدم الحصول على تصريح عمل، ثم لعدم الاعتراف بشهاداتهم.


 يقوم أغلب العاملين السوريين في سوق العمل التركي -ورغم تدنّي رواتبهم دون الحد الأدنى للأجور- بتحويل جزء من رواتبهم بشكل شهري لعائلاتهم داخل سوريا؛ حيث نجد أن 85% من أفراد العينة يقومون بتحويل جزء من رواتبهم 

التغيرات التي طرأت على شريحة القاطنين في السكن الشبابي

أشارت غالبية المقابلات التي تم إجراؤها مع مَن خاضوا تجربة السكن الشبابي إلى أن هذه التجربة لم تكن تجربة عابرة، وإنما أثرت في شخصياتهم وشخصيات القاطنين معهم على اختلاف أعمارهم، وقد تنوعت هذه التغيرات بين تغيرات سلبية أحياناً وإيجابية أحياناً أخرى؛ مع التأكيد على الملاحظات الآتية:


اعتمدت الدراسة في هذه الفقرة معيار التقييم الذاتي للمستطلع رأيه، الذي يقيّم وضعه الحالي مقارنة بحالته السابقة قبل الانتقال إلى السكن الشبابي.

–  ركزت الفقرة التالية على الإجابات التي تشير إلى تغييرات سلبية أكثر من تلك التي لم تشر إلى تغيرات تذكر أو التي أشارت إلى تغيرات إيجابية؛ حيث إن هذه التغيرات لا تزال حديثة ولم تتحول إلى تغيرات راسخة، وبالتالي فإن إمكانية التعاطي معها والتخفيف من آثارها لا تزال ممكنة.

– لاحظ فريق البحث غياب المعلومات الدقيقة والاطلاع على احتياجات هذه الشريحة عند فئة واسعة من المعنيين، ولذلك قد تعطي دراسة هذه التغييرات لمحة عن احتياجات هذه الشريحة، وتساعد المنظمات المعنية على تصميم برامجها بشكل أكثر دقة، يتلاءم مع التطورات والتغيرات في شخصية الفئة المستهدفة.

– من الصعب الحكم على الإجابات التي اختارت “لم يتغير” بحكم إيجابي أو سلبي؛ وذلك لعدم وجود معطيات واضحة حول واقع الشباب قبل إقامتهم في السكن الشبابي، فعلى سبيل المثال: قد يكون وضع الشباب سيئاً من الناحية الأخلاقية أو الدينية أو النفسية وبقي على حاله بعد السكن الشبابي، والعكس بالعكس.

التغيرات السلبية التي طرأت على القاطنين في السكن الشبابي:

يمكن تقسيم التغيرات السلبية التي طرأت على القاطنين في السكن الشبابي إلى عدة أنماط، وهي:

 تغيرات في درجة الالتزام الديني:

في محاولة التعرف على تأثير تجربة السكن الشبابي على درجة الالتزام الديني عند القاطنين فيه طرحت الاستبانة مجموعة من الأسئلة للاطلاع على هذا الموضوع؛ فعند السؤال حول تأثير السكن على زيادة الالتزام الديني بشكل عام أشار 44% إلى وجود تأثير لتجربة السكن الشبابي في هذه الزيادة، بينما أجاب 29% بأن السكن الشبابي يكون له تأثير سلبي على الالتزام الديني، فيما صرح 28% بأن هذه التجربة لم تؤثر على التزامهم الديني[46] (الشكل 19).

تأثير السكن الشبابي على الالتزام الديني


وتُظهر النتائج التفصيلية في الإجابة عن هذا السؤال أن شريحة الذكور كانت أكثر تأثراً، سواءٌ بشكل إيجابي أو سلبي، مقارنة بشريحة الإناث، في حين تناقصت التغيرات الإيجابية وازدادت التغيرات السلبية مع التقدم في العمر ومع ارتفاع المستوى التعليمي .


وفي محاولة لفهم التغيرات بشكل تفصيلي تم سؤال الشريحة المستطلعة آراؤها عن درجة التزامها بالعبادات لاسيما الصلاة، مقارنة بوضعها السابق، فتشير النتائج إلى أن 45% أشارت إلى حدوث تغير في الالتزام بالصلوات بعد إقامتهم في السكن الشبابي؛ 28% كانت تغيراتهم بشكل سلبي، وقد ظهرت هذه التغيرات السلبية بشكل أوضح بين الذكور  بنسبة 29% مقارنة مع الإناث بنسبة 8%  بينما كانت التغيرات الإيجابية بنسبة 17% عند الذكور مقارنة بـ 12% عند الإناث، كما ظهرت التغيرات السلبية في درجة الالتزام بالصلاة عند الشريحة العمرية دون  18 عاماً بنسبة 44%، وعند الشريحة الأدنى تعليماً بنسبة 44%)

درجة الالتزام بالصلاة


وحول درجة الالتزام بأداء صلاة الجمعة تُظهر نتائج الاستبانة تغيرات على درجة الالتزام بصلاة الجمعة تتقارب إلى حد كبير مع درجة الالتزام بالصلاة بشكل عام (الشكل 21)، إلا أن التغيرات السلبية أشد وضوحاً عند شريحة القُصّر مقارنة ببقية الشرائح بنسبة 47%، كما يتناقص معدل التغيرات السلبية مع تزايد المستوى التعليمي، وتبدو التغيرات السلبية أكبر من التغيرات الإيجابي

وعند السؤال حول الالتزام بتعاليم الدين كالحلال والحرام أشارت ربع الإجابات إلى تراجع التزامها الديني بعد الإقامة في السكن الشبابي (الشكل 22)؛ حيث يظهر هذا التغير السلبي بشكل واضح عند الذكور بنسبة 25% مقارنة بالإناث بنسبة 8%، كما تزداد هذه التغيرات السلبية وضوحاً عند الشرائح الأصغر سناً، خاصة عند القُصّر بنسبة 36% (الشكل 53 في الملحق).

الالتزام بتعاليم الدين ( الحلال والحرام)


وحول تقييم المستجيبين للتغيرات التي طرأت على أفكارهم حول الدين تشير ثلت الشريحة المستطلعة آراؤها إلى أنها تعرضت لتغيرات بهذا الخصوص بنسبة 17% تعرضت لتغيرات سلبية حول تصوراتها الدينية، و17% تعرضت لتغيرات إيجابية  (الشكل 23)، وتشير النتائج التفصيلية إلى أن التغيرات السلبية ظهرت بشكل واضح عند الذكور بنسبة 18%، في حين لم تُلاحظ هذه التغيرات السلبية عند الإناث بناءً على تقيمهن الشخصي، كما كانت هذه التغيرات السلبية تجاه التصورات الدينية الأكبر عند شريحة القُصّر بنسبة 41%، وانخفضت نسبة هذه التغيرات عند الشرائح الأكثر تعليماً .

وفي محاولة لفهم الجو العام في بيئة السكن-من وجهة نظر العينة- تشير نتائج الاستبانة إلى أن 70% من الإجابات أشارت إلى انتشار ألفاظ الكفر والألفاظ النابية، بينهم 45% أشاروا إلى انتشارها بشكل متوسط إلى كبير (الشكل 24)، حيث تبدو هذه الظاهرة منتشرة في سكنات الذكور بنسبة 71% مقارنة بسكنات الإناث بنسبة 61%، وإن كانت تُلاحظ بشكل أوضح في سكنات الذكور (الشكل 55 في الملحق)

انتشار ألفاظ الكفر والألفاظ البذيئة في السكنات الشبابية


وحول انتشار الأفكار الإلحادية في السكنات الشبابية[48] أشار 34% من العينة المستطلعة آراؤها إلى وجود هذه الأفكار، بينهم 13% أشاروا إلى انتشارها بشكل متوسط إلى كبير (الشكل 25)، حيت تُلاحظ هذه الأفكار في كل من سكنات الذكور والإناث بالمعدل ذاته تقريباً، وتزداد نسبة ملاحظة هذه الأفكار مع ارتفاع مدة الإقامة في السكنات الشبابية وعند القاصرين بشكل أوضح بنسبة 53%.

انتشار الأفكار الإلحادية


مما سبق: يشير تحليل الأسئلة السابقة إلى نمط غير مضطرد؛ حيث إن أغلبية الإجابات أشارت إلى وجود تأثير إيجابي للسكن الشبابي من ناحية الالتزام الديني، إلا أن نتائج الأسئلة التفصيلية والمقابلات المعمقة أشارت إلى تأثير سلبي واضح يفوق الأثر الإيجابي، ويمكن تفسير هذه النتيجة بأن مفهوم التدين عند هذه الشريحة –التي ينتمي معظمها إلى الشريحة الشابة- هو مفهوم مشوش، حيث إن تقييمها الذاتي للالتزام الديني قد يأتي بشكل إيجابي رغم إدراكها وجود تهاون في الالتزام بأهم الفرائض كالصلاة وصلاة الجمعة، وتهاونها في الالتزام بالتعاليم الدينية التي توضح الحلال والحرام[49]، أو يمكن تفسير ذلك بأن إجابتها عن تقييم التزامها الديني جاءت بمعرض الإنكار والموقف الدفاعي الذي يرفض الاعتراف بالتغيرات السلبية التي طرأت على هذا الالتزام نتيجة وجود عاطفة دينية لدى المجيب، ولكن عند السؤال عن الجزئيات والتفاصيل أظهرت إجاباته التفصيلية أنه تراجع من الناحية الدينية.

ومن جهة أخرى تظهر بيئة السكن الشبابي وكأنها بيئة تساعد على تراجع الالتزام الديني[50]؛ حيث يمكن  للقاطنين أن يتعرضوا فيها -في بعض الأحيان- لبعض الأفكار الإلحادية، كما أنهم قد يعتادون سماع الشتائم وألفاظ الكفر المنتشرة بشكل كبير، وقد يدفعهم ذلك لمحاكاة الجو العام، كما أن وضع السكن السيئ من حيث النظافة[51] ووجود بعض القدوات السيئة التي تقوم بممارسات غير أخلاقية – كما سنوضح في الفقرة التالية – قد تكون من العوامل التي تشجع على تراجع الالتزام الديني لهذه الشريحة دون أن تدرك ذلك في بعض الأحيان، إلا أن هذا التغير قد يكون ملاحظاً عليها من النزلاء الآخرين.

وتشير أغلب المقابلات خلال محاولتها توصيف واقع الوعي الديني لدى القاطنين في السكن الشبابي إلى تدني درجة هذا الوعي إلى مستويات كبيرة؛ إذ إن أغلب القاطنين في السكن قدموا إلى تركيا في سن صغيرة، وابتعدوا عن تأثير العائلة والحي، وتأثروا بشكل واضح باختلاف البيئة والمجتمع، دون أن يملكوا أساساً دينياً أو أخلاقياً ناضجاً وراسخاً، وصادفوا شخصيات مختلفة تأثروا بها بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة الاحتكاك الطويل، الأمر الذي انعكس على سلوكهم وعلى التزامهم الديني، خاصة مع ندرة وجود القدوات الصالحة في هذه السكنات.

يمكن أن تصادف في السكنات الشبابية بعض الشباب الذين يحاولون الترويج لبعض الأفكار الإلحادية، حيث يطرحون بعض النقاشات بطريقة ذكية مستغلين جهل غالبية النزلاء وقلة وعيهم، بشكل يزعزع ثقة البقية بالدين والإيمان


كما تشير أغلب المقابلات إلى أن المناقشات الدينية قليلة جداً في السكنات الشبابية، وغالباً ما تركز – إن وجدت -على الفتاوى التي تتعلق بالأمور المعيشية، وقد تتطور بعض النقاشات لتشمل الدخول في المواضيع الأعمق أو التي يمكن أن تروج لبعض التيارات الدينية والفكرية، خاصة الإلحاد[53]؛ إلا أن غالبية هذه النقاشات الدينية تنتهي بالشجارات، فحتى الشباب المتدينون لم يكونوا قادرين على إدارة حوارات مع هذا الشريحة والإجابة عن أسئلتهم، فكان بعضهم يتعصب لمذهبه الفكري ويحاول أن يروج له، دون أن يملك وسائل الإقناع الملائمة

وقد أشارت بعض المقابلات إلى أن العديد من الشباب السوريين القادمين من دول الخليج أو من بيئات “شديدة المحافظة” إلى تركيا للدراسة تأثروا بشكل سلبي نتيجة اختلاف انفتاح المجتمع التركي عن مجتمعاتهم السابقة، وقد زادت بيئة السكن الشبابي على هذه التغيرات الدينية السلبية، حيث وجد الشاب في السكن الشبابي بيئة مشجعة له ليفعل ما يريد دون رقابة أسرية أو دينية أو اجتماعية

قابلت في السكن الشبابي العديد من الشباب القادمين من بيئات متدينة مغلقة، وكانت التغيرات التي طرأت عليهم واضحة؛ فقد بدأ بعضهم بتعاطي الكحول أو بالعلاقات غير الشرعية ومحاولة تقليد نمط الحياة في المسلسلات التركية، وانتقل أحدهم ليعيش في سكن مختلط دون علم عائلته، لقد أعطتهم بيئة السكن الشبابي في تركيا الفرصة للتحرر من كافة القيود وقدمت لهم الكثير من النماذج السيئة أو السلبية التي شجعتهم على الانحراف.

وتبدو -بحسب المقابلات- فرصة النصح والإرشاد بين القاطنين في السكن الشبابي محدودة وغير مرحب بها؛ حيث إن العديد من نزلاء السكن ينزعجون من النصيحة المباشرة أو التنبيه للخطأ أو التذكير بالحكم الشرعي لبعض التجاوزات الدينية من بعض المتدينين، لاسيما إن قدموا هذه النصيحة بشكل مباشر قبل بناء علاقات صداقة تمهيدية مع الآخرين، وقد ينتهي الأمر بافتعال مشكلة مع هؤلاء وإجبار المتدينين على مغادرة السكن.

ومن جهة أخرى يلاحظ ي السكن الشبابي نمط التدين الفردي، الذي يبحث فيه الفرد عن الحكم الشرعي والدليل وحده دون وجود أي مرجعية دينية له؛ حيث تسود حالة من غياب الثقة بالمؤسسة الدينية وعدم الثقة بمشايخها. ومما أسهم في تعزيز هذه الحالة غياب دور واضح للمشايخ والدعاة مع هذه الفئات؛ ففَقَد الشباب بانتقالهم خارج بلادهم أنشطة بعض المساجد والمؤسسات الدينية التي كانت تنشط في عدد من المحافظات والمدن ودورها الفكري والمعنوي، إلى جانب وجود بعض السكنات التي تُدار من مشايخ كمشروع استثماري لكنها تفتقد تلبية الاحتياجات الطارئة للنزلاء، خاصة تصليح الأعطال التي قد تتأخر لعدة أيام، حيث إن هؤلاء المستثمرين لم  يستغلوا الفرصة للاقتراب من هؤلاء الشباب والتعرف على همومهم ومدّ يد المساعدة لهم، واقتصرت العلاقة فيما بينهم على المنفعة المادية المتبادلة[56].


وإلى جانب ذلك أثّرت الصدمات النفسية التي تعرض لها هؤلاء الشباب نتيجة ظروف الحرب والتهجير ثم اللجوء في قناعاتهم الإيمانية، وولدت لديهم الكثير من الأسئلة التي لم يجدوا جواباً لها، فلجأ بعضهم إلى ما قد يُعرف بالإلحاد النفسي الذي ظهر كردة فعل دون أن يكون له أي بُعد فكري أو فلسفي.


-التغيرات الأخلاقية:


تمتاز البيوت العادية بشكل عام بحالة من التراتبية والهرمية التي يشكل فيها الوالدان ثم الإخوة الكبار مرجعية وسلطة توجيهية وتربوية، إلا أن هذه السكنات الشبابية تفتقد هذه التراتبية التوجيهية؛ فلا سلطة لأحد على أحد ولو بتوجيه النصح، بل على العكس قد تكون بيئة السكن محرضة على الانحراف الأخلاقي في كثير من الأحيان.

وتشير نتائج الاستبانة إلى أن ما يقارب ثلث الإجابات أكدت وجود تغييرات سلبية من جهة اكتساب العادات السيئة وفقاً لتقييمها الذاتي (الشكل 26)، حيث ظهر هذا التغير بشكل أوضح عند الذكور بنسبة 31% مقارنة بالإناث بنسبة 15%، كما تبدو هذه التغيرات السلبية بشكل أوضح في الشريحة العمرية الأقل من 18 عاماً بنسبة 41% (الشكل 57 في الملحق).


اكتساب العادات السيئة

ومن الملاحظ وجود عدة أنماط من المشاكل الأخلاقية في السكنات الشبابية، منها:

استخدام الألفاظ البذيئة وغياب الاحترام:

تشير نتائج الاستبانة إلى أن 34% أظهروا تغيرات سلبية من جهة استخدام الألفاظ البذيئة (الشكل 27)، حيث تظهر هذه التغيرات بشكل أوضح عند الذكور بنسبة 35% منها عند الإناث بنسبة 15%، وعند الشريحة الأقل من 18عاماً بنسبة 


أما بالنسبة للمخدرات فقد انتشرت قناعة بين الشباب أن الحشيش ليس من المخدرات ولا يسبب الإدمان[58]، وتظهر النتائج (الشكل 29) أن تعاطي المخدرات يُلاحظ في 27% من السكنات الشبابية، بينها 14% يُلاحظ فيها بدرجة متوسطة إلى كبيرة، حيث تبدو هذه الظاهرة أوضح في سكنات الذكور بنسبة تصل إلى 28%، مقارنة بسكنات الإناث التي تصل نسبة انتشار هذه الظاهرة فيها 14%.

العلاقات غير الشرعية:

وتتدرج من شكلها الأولي كالعلاقات الافتراضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى العلاقات المباشرة؛ سواء مع فتيات تم التعرف عليهن بنية الزواج أو مع فتيات يمتهنّ الدعارة[59]، وصولاً إلى علاقات المثلية الجنسية التي قد تُلاحظ في كل أشكال السكنات حتى الطلابية.

 انتشار العلاقات غير الشرعية

وتشير النتائج (الشكل 30) إلى أن معدل انتشار العلاقات غير الشرعية “المحرمة” يُلاحظ في 24% من السكنات الشبابية[61]، بينها 12% تلاحظ فيها هذه العلاقات بشكل متوسط إلى كبير، وتلاحظ أنماط هذه العلاقات في سكنات الإناث بنسبة 35% مقارنة مع سكنات الذكور بنسبة 23% .

 لاسيما مع غياب الضوابط والسلطة الموجهة لشريحة من الشباب يعملون ساعات طويلة، ثم يقضون ما تبقى من وقتهم على الألعاب الإلكترونية وفي مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة للاسترخاء ولتعويض إحساسهم بالوحدة وغياب العائلة، وهو ما يفتح المجال أمامهم للدخول في بعض المواقع الإباحية أو التورط في بعض العلاقات غير الشرعية المحرمة دون وجود رادع ديني أو أخلاقي أو حتى اجتماعي؛ حيث أصبحت مشاهدة الأفلام الإباحية أمراً شائعاً في السكنات الشبابية، وقد تكون سبباً إضافياً لاندلاع المشاكل.


نتقلت لسكن شبابي مكتظ، وإذ بأحد القاطنين يفرض على جميع الشباب دفع 30 ليرة تركية من أجل شراء عبوات البيرة بشكل تشاركي، وقد أجبر الجميع على الدفع، سواء كانوا يتعاطون المشاريب الكحولية أم لا، وبعد أيام تفاجأت بأن الشباب في السكن قد جهزوا لحفلة تعاطوا فيها المسكرات والحشيش واستقدموا إحدى فتيات الليل التي تفاجأت من العدد الكبير للشباب وأرادت الانصراف فمنعوها، فما كان مني إلا أن ساعدتها على الهروب بعد أن أشهرت سكيناً بوجه أحدهم ثم تركت المنزل إلى غير رجعة.


وتؤثر التجاوزات الأخلاقية -خاصة ما يتعلق بموضوع المخدرات والعلاقات غير الشرعية- في كل مَن يقيم في السكن ذاته، وإن لم يتورطوا فيها؛ فما إن يُشتبه بوجود أحد القاطنين ممن يقوم بهذه الأمور حتى تلتصق التهمة بجميع القاطنين، سواء من الجوار التركي أو الجوار العربي.


تُعد بيئة السكن الشبابي بيئة مثالية لتفاقم الضغط النفسي وظهور المشكلات، فبينما يُفترض أن يكون السكن مكاناً للراحة والاسترخاء بعد يوم عمل طويل ومرهق تحول السكن إلى بيئة غير آمنة؛ فالحياة فيها غير مريحة تكثر فيه المشاكل والمشاحنات، إلى جانب حالة الفراغ الروحي/العاطفي، وغياب الأسرة الداعمة أو الأقارب الذين يمكن أن يكونوا ملجأ للنصيحة أو لتفريغ الهموم، وتشير نتائج الاستبانة إلى أن السكن الشبابي أثّر في ثلثَي المستجيبين بشكل سلبي (الشكل 31)، وقد ظهر هذا التأثير بشكل متقارب عند جميع الفئات على اختلاف شرائحها العمرية أو التعليمية؛ إلا أنه كان أوضح عند الذكور بنسبة69% مقارنة بسكنات الإناث بنسبة 46%.



صادفت في السكن الشبابي شاباً جامعياً كانت لديه حالة انعزال رهيب عن المحيط، فقد أحاط سريره بحواجز قماشية، في محاولة للحفاظ على خصوصيته، وكان يتحاشى الحديث مع الآخرين، ولديه هوس بالتنظيف، يقوم بأعمال النظافة عنه وعن غيره، هذا الشاب لم يكن يعمل وإنما كان يعيش على الحوالات التي ترسلها عائلته، ولا يخرج من المنزل إلا لشراء حاجياته الشخصية. وقد لاحظت أنه مغرم بمتابعة الفيديوهات التاريخية، ومن هنا حاولت أن أبدأ بنقاشات معه، لكن لم أفلح إلا بعد عدة شهور، كان من الواضح أن لديه مشكلة نفسية وأنه يحتاج للدعم والمعونة والإرشاد.


ومن جهة أخرى فقد أثّر الوضع العام والحالة النفسية المتردية على القاطنين في السكن الشبابي كما تجلى في تضاؤل أملهم في المستقبل وتغير الأوضاع، حيث تشير النتائج (الشكل 32) إلى أن45% ينظرون بشكل سلبي للمستقبل أكثر من السابق، حيث تظهر هذه النظرة السلبية بشكل واضح عند الذكور بنسبة 47% مقارنة بالإناث اللواتي كانت نسبة صاحبات النظرة المتفائلة 62%[64]


ومن المشاكل النفسية الملاحظة في السكنات الشبابية تزايد حالات الفردية والانزواء، وبالعودة إلى مفهوم البيت الذي يشكل حيزاً مكانياً يجتمع فيه الناس ويتشاركون فيه طعامهم وشرابهم وهمومهم وفرحهم لا يبدو هذا المفهوم موجوداً في السكن الشبابي؛ فنمط الحياة في هذا السكن لا يجمع الناس ،بل يفرّقهم؛ فلكل نزيل في هذا السكن سريره ومساحته الخاصة و”الرف” الخاص به في الثلاجة وطعامه الخاص، وبالتالي تحقق تجربة السكن الشبابي الاجتماع المكاني فقط، ولكن يصبح لكل نزيل مساحته الصغيرة – سريره- الذي يتقوقع فيها وحده دون تواصل فعال مع الآخرين ، وقد ينفتح فيها أحياناً على الآخرين ضمن حدود ضيقة[65].



وتسبب حالة الفردية المتصاعدة في السكن الشبابي مخاوف من الارتباط لدى العديد من الشباب؛ حيث يعتاد بعضهم على نمط الحياة فتنمو لديه مخاوف من مشاركة شخص آخر حياته، ومن جهة أخرى ونتيجة للجفاف العاطفي الذي يعيشه الشباب نتيجة فقدان الأسرة الداعمة وصعوبة الحياة في تركيا يفقد الشباب الأمل في تغيير واقعهم أو الزواج، حيث يشعر معظمهم أنهم يدورون في دائرة مغلقة لا خروج منها، وهو ما يدفعهم إلى العلاقات غير الشرعية أو لتعاطي المسكرات أو المخدرات أو لأشكال أخرى من الإدمان، كإدمان مواقع التواصل الاجتماعي أو المواقع الإباحية في محاولة لتناسي واقعهم.

ومن جهة أخرى يُلاحظ أن شريحة واسعة من الشباب في السكنات الشبابية تصرف القسم الأكبر من أموالها على أمور كمالية، كاقتناء جوالات حديثة أو لبس الملابس الغريبة أو تصفيف الشعر بطريقة تجذب الانتباه[68]، بالإضافة إلى اهتمامهم المتزايد بتصوير بعض الفيديوهات الغريبة ونشرها على بعض البرامج التي تستهوي هذه الشريحة، مثل تيك توك وانستغرام وسناب شات، أو اقتناء بعض الأسلحة البيضاء والتصرف كأفراد العصابات، فقد تشير هذه التصرفات إلى أن هذه الشريحة تسعى إلى لفت الانتباه أو الإحساس بالأهمية والإنجاز، من خلال تقديم محتوى قد يعتبره البعض محتوى تافهاً لكنه قادر على جذب اهتمام شريحة من الشباب سعياً وراء الشهرة أو العائد المالي الذي تقدمه هذه المواقع.


أصيب شاب يقطن معنا في السكن الشبابي وعمره 27 عاماً بجلطة قلبية، وذلك نتيجة الضغط النفسي، حيث سقط الهاتف من يده خلال محادثته لعائلته وتم إسعافه للمشفى.

 ضعف العلاقة مع العائلة:

على الرغم من أن أغلبية القاطنين في السكن الشبابي قد قدموا إلى تركيا هرباً من الواقع المعاشي السيئ في سوريا، ورغبةً في البحث عن عمل لمساعدة عائلاتهم اقتصادياً؛ إلا أن دوامة الحياة عامة في تركيا وبيئة السكن أضعفت الروابط مع العائلة، حيث أشار 33% من الشريحة المستطلعة آراؤهم إلى تراجع معدل تواصلهم مع عائلاتهم ( الشكل 33)، وظهرت هذه التغيرات بين الذكور  بنسبة 35% وبشكل أوضح من الإناث بنسبة 12%، وهو ما يمكن تفسيره بأن اهتمام الإناث بالعلاقات العائلية قد يكون أكبر من اهتمام الذكور).


 كنت أتواصل مع أهلي هاتفياً بشكل يومي، بينما كانت علاقة بقية القاطنين في نفس المنزل مع عائلاتهم سطحية جداً، غابت فيها المشاعر العائلية المبنية على المحبة والتعاطف والاهتمام وتحولت إلى علاقة مادية بحتة، حيث كان هؤلاء لا يتصلون بعائلاتهم إلا مرة شهرياً عند تحويل المبالغ المالية. ولكن وبعد فترة وعندما انتبه الشباب المقيمين معي إلى أني مهتم بصلة رحمي، وأن هذا الأمر أقوم به بمحبة واندفاع وليس كواجب ثقيل كما يفعلونه تشجع بعض المقيمين وبدؤوا بزيادة معدل تواصلهم مع عائلاتهم وإعادة نسج العلاقات معهم.. 

لتغييرات الإيجابية التي طرأت على القاطنين في السكن الشبابي

رغم قساوة تجربة السكن الشبابي إلا أنها تحمل بعض الإيجابيات؛ فقد أدخلت هؤلاء الشباب أمام تحديات الحياة الصعبة، وأجبرتهم على التعامل معها بمفردهم دون دعم أو مساندة العائلة، ويمكن إجمال التغيرات الإيجابية عند القاطنين في السكنات الشبابية بما يلي:

 زيادة الفرص لاكتساب صداقات جديدة:

قدمت السكنات الشبابية بيئة اجتماعية بديلة – سلبية كانت أو إيجابية – في مجتمعات النزوح عوضت الشاب عن فقدانه للعائلة في مجتمع مختلف الثقافة واللغة، خاصة مع وجود أقران متقاربين في الظروف وفي الخلفية الاجتماعية السابقة.

وتشير نتائج الاستبانة إلى أن 58% من قاطني السكن الشبابي تعرفوا على أصدقاء سوريين جدد في تركيا (الشكل 34)، حيث كان هذا الأمر أوضح عند الإناث بنسبة 73% مقارنة بالذكور بنسبة 53%، كما كانت أوضح عند شريحة حملة الشهادات الجامعية أكثر من بقية الشرائح (الشكل 65 في الملحق).

 توسع شبكة العلاقات في مجال العمل

 فتحت تجربة السكن الشبابي المجال للشباب للتعرف على أنماط مختلفة من الشخصيات والتعامل معها والوصول إلى طريقة للتعايش فيما بينها رغم التباين، وتطوير بعض الصداقات لتتحول إلى شراكات تجارية[69] أو استثمارها في مجال العمل بشكل واضح؛ حيث كان العديد من العاملين المقيمين في السكنات الشبابية يرشحون زملاءهم في السكن للعمل معهم، وهو ما ساعد هذه الشريحة على تجاوز مشكلة البطالة والحصول على مورد مالي، حيث تشير 59% من الإجابات إلى أن تجربة السكن الشبابي ساعدتهم في الحصول على فرص عمل (الشكل 35)، حيث ظهر هذا الأمر بشكل أوضح بين الذكور مقارنة بالإناث .

 فرص الحصول على عمل


تُعد تجربة السكن الشبابي ذات تأثير على شخصية صاحبها؛ فهي تعني الانفصال عن العائلة والمجتمع الداعم والانتقال إلى مجتمع جديد، حيث يجد صاحبها نفسه مضطراً للاعتماد على نفسه وتدبير أموره وحل مشاكله بعيداً عن عائلته، وهو ما يرفع ثقته بنفسه وقدرته على تحمل المسؤولية أحياناً، أو يؤثر بشكل عكسي أحياناً أخرى.

وتشير نتائج الاستبانة إلى أن 33% من الإجابات أشارت إلى تأثير التجربة الإيجابي في زيادة الثقة بالنفس في حين أشار23% إلى تأثير سلبي للتجربة (الشكل 36)، وتظهر هذه التأثيرات الإيجابية بوضوح عند شريحة الإناث بنسبة 71% مقارنة بالذكور 36%، فيما تظهر الآثار السلبية لتجربة السكن الشبابي ودورها في إضعاف الثقة بالنفس بشكل واضح على شريحة القُصّر دون 18عاماً بنسبة 47%، وتظهر عند الشريحة الأقل تعليماً بنسبة 33%؛ حيث كان التأثير السلبي على هذه الشريحة أوضح من التأثير الإيجابي.

ومن جهة أخرى تشير النتائج إلى أن تجربة السكن الشبابي عززت القدرة على تحمل المسؤولية[70] لدى 46% (الشكل 37)، حيث بدا هذا التأثير واضحاً بين الإناث بنسبة 77% مقارنة بالذكور بنسبة 44%، كما تظهر الآثار السلبية لتجربة السكن الشبابي في إضعاف القدرة على تحمل المسؤولية على شريحة القُصّر دون 18عاماً بنسبة 30%، وتظهر عند الشريحة الأقل تعليماً بنسبة 48% حيث كان التأثير السلبي على هذه الشريحة أوضح من التأثير الإيجابي .

التغيرات التي طرأت على شريحة القاطنين في السكن الشبابي”: نجد أن تجربة السكن الشبابي أثرت في العديد من الجوانب بشكل سلبي على شريحة أكبر من الشريحة التي تأثرت بشكل إيجابي، حيث ظهرت هذه التغييرات على شكل تراجع في درجة الالتزام الديني، لاسيما أداء الصلاة والالتزام بتعاليم الحلال والحرام، وارتفاع معدلات استخدام الألفاظ البذيئة، إلى جانب تردي الحالة النفسية وتراجع الأمل بالمستقبل وتراجع العلاقة مع العائلة.

كما ظهرت التغيرات الإيجابية على شكل نضوج في مجال الخبرات الاجتماعية، والقدرة على اكتساب صداقات جديدة والتعامل مع مختلف أنماط الشخصيات، وهو ما وسّع شبكة العلاقات الاجتماعية التي تخدم مجال العمل ورفع ثقة الشباب بأنفسهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية.

ومن جهة أخرى يبدو واضحاً أن بيئة السكن أسهمت بشكل كبير في حدوث هذه التغييرات نتيجة انتشار العديد من السلوكيات السيئة، كاستخدام ألفاظ الكفر والألفاظ البذيئة أو انتشار الكحول والمخدرات والعلاقات غير الأخلاقية، حيث بدت هذه التغيرات أشد وضوحاً في سكنات الذكور مقارنة بسكنات الإناث، وظهرت آثارها بشكل أساسي على شريحة القُصّر التي كانت أكثر الفئات عرضةً للتغيير وتأثراً بالبيئة المحيطة؛ فقد قدمت إلى مجتمع جديد في مرحلة حرجة ودون أن تملك الخبرة اللازمة أو القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، فكانت أكثر عرضة للتأثر بأقرانها وتقليدهم، وبالتالي كانت فرصة تورطها في انحرافات سلوكية وأخلاقية ودينية أكبر أيضاً.

ولابد من الإشارة إلى أن هذه التغيرات سلبية كانت أو إيجابية لا تزال تغيرات جديدة يمكن التأثير بها وتعديلها، لاسيما إن تم التدخل في وقت مبكر قبل أن تتحول إلى سلوكيات راسخة، حيث إن تصميم برامج خاصة موجهة لهذه الشريحة تنبع من معرفة دقيقة ومن احتياج حقيقي من شأنه تخفيف آثار هذه التغيرات السلبية وترسيخ التغييرات الإيجابية، وهذا ما سنحاول التوسع به في فقرة لاحقة.

رابعاً: سكنات الإناث والسكنات المختلطة:

تتشابه السكنات الخاصة بالإناث مع السكنات الخاصة بالذكور في معظم النواحي؛ إلا أنها تختلف عنها في نواحٍ سنحاول توضيحها في هذه الفقرة:

السكنات الخاصة بالإناث

تُعد السكنات الخاصة بالإناث أقل عدداً وانتشاراً مقارنة بسكنات الذكور، كما أنها تستوعب – وفقاً لما ورد في المقابلات – أعداداً أقل من النزلاء، وغالباً ما تقدم هذه السكنات المشتركة غرفة منفصلة لكل نزيلة، أو غرفاً مشتركة كثيراً ما تتشارك فيها القريبات والصديقات، حيث لا يزيد عدد القاطنين في غرفة واحدة عن 4 قاطنات، إلا أن أجرة الغرف في سكنات الإناث أكبر من سكنات الذكور، إذ تتراوح بين 600-800 ليرة تركية شهرياً للغرف المنفردة، وبين 400-600 ليرة تركية للغرف المشتركة.


وتبدو السكنات الخاصة بالإناث ذات شروط أفضل بكثير من حيث النظافة والانضباط بالأنظمة المرعية؛ فغالباً ما تفرض السكنات قيوداً صارمة على القاطنات، سواء فيما يتعلق بأوقات الدخول والخروج أو استقبال الضيوف، حيث تُفرض الأنظمة وتتم متابعتها من قبل مشرفة معنية بذلك[72]، ومن جهة أخرى يبدو معدل فترة الإقامة بالسكن المخصص للإناث أقل من السكنات المخصصة للذكور.

وتختلف الدوافع التي تدفع الإناث إلى اللجوء للسكن الشبابي عن الدوافع التي تدفع الذكور؛ فالسبب الرئيس الذي يجعل العديد من الشابات يلجأن للسكن الشبابي هو انتظار عملية لمّ الشمل من قبل العائلة أو الزوج، والتي غالباً ما تستغرق عدة أشهر، كما قد تلجأ الطالبات الجامعيات للسكن المخصص للإناث في حال لم يستطعن الحصول على غرفة في السكن الجامعي، بالإضافة إلى أن هذا السكن يُعد حلاً جيداً للنساء اللواتي قدمن إلى تركيا بمفردهن بدافع العمل أو المطلقات اللواتي يعشن بعيداً عن عائلاتهن، أو القاصرات أو الأمهات اللواتي تخلى عنهن أولادهن أو عائلاتهن.

ومن جهة أخرى تُعد وتيرة المشاكل في سكنات الإناث أقل بكثير من السكنات الخاصة بالذكور؛ وذلك لمحدودية عدد النزيلات والأنظمة الواضحة، إلا أن الأمر لا يخلو من المشاكل، خاصة في حال وجود جنسيات مختلفة، والتي غالباً ما يكون سببها نتيجة خلافات بخصوص إتمام مهام النظافة أو بسبب التدخين وشرب النرجيلة أو الإزعاج.

ويمكن أن تصبح السكنات الخاصة للإناث مقصداً لعمليات السرقة أو الاستغلال بكافة أنواعه، كما يمكن أن تنشط في بعض السكنات “الخطّابات”، ويُقصد بها الوسيطة التي تساعد في عمليات الزواج، وتقوم بهذه المهمة غالباً المسؤولة عن السكن التي تستغل وضع الشابات – خاصة في سكنات الأرامل والأيتام والمطلقات[73] – وتعمل على إقناعهن بالزواج من أزواج عرب أو أتراك، حيث تتقاضى الخطّابة مبلغاً مالياً قد يصل إلى 2000 دولار جرّاء وساطتها لإتمام الزواج


ومن جهة أخرى تنتشر في سكنات الإناث بعض المظاهر الأخلاقية الفاسدة، وإن كان ذلك بوتيرة أقل بكثير من حالة سكنات الشباب؛ حيث قد تنتشر ظواهر تعاطي المسكرات أو الحشيش في بعض سكنات الإناث التي تغيب فيها الرقابة، خاصة تلك التي تضم جنسيات متنوعة، كما قد تُلاحظ بعض العلاقات غير الشرعية أو حوادث الشذوذ الجنسي في هذه السكنات ولكن بوتيرة محدودة.

السكنات الختلطة:

يحيط بهذا النمط من السكنات الكثير من الغموض؛ حيث يشير العديد من الشباب إلى انتشاره وإقبال بعض الشباب العربي عليه رغم كونه غريباً على البيئة العربية والإسلامية، ولعل المعلومات الواردة حول هذه السكنات شحيحة لتحفُّظ مَن خاض هذه التجربة عن الحديث عنها وإبقائها سرّاً حتى عن عائلته.

وبسبب شحّ المعلومات حول هذا النمط من السكنات ننقل تجربة أحد الشباب السوريين القادمين من دول الخليج، والتي استمرت قرابة 6 أشهر كحالة للدراسة؛ فمن الصعب تعميمها إلا أنها تساعد في رسم الملامح العامة لمثل هذه السكنات.

أقمت في سكن مختلط يتألف من 3 غرف نوم، غرفة يقيم بها شاب وفتاة تربطهما علاقة تُعرف بـ المساكن”، وغرفة تقيم بها شابة أخرى، وغرفة أقمت بها، وهم من جنسيات عراقية وإيرانية وجميعهم من طلبة الجامعات، وقد كان الدافع لخوض هذه التجربة بالنسبة لي هو الفضول والرغبة في الاستطلاع والتحرر من سلطة المجتمعات المحافظة.


كان البيت نظيفاً جداً، وأنظف من أي منزل سكنت فيه مع شباب. كان الطعام مشتركاً؛ كنا نطبخ سوياً ونأكل سوياً، ونقضي الأوقات معاً بشكل أشبه بعائلة، مع الحفاظ على خصوصية كل منا ومساحته الخاصة، لم يكن أحد يدخل غرفة الآخر باستثناء الشريكين، ولكن كنا نتشارك الصالون والمرافق العامة، نسهر معاً ونتحاور باللغة التركية على الغالب، وبالإنكليزية والعربية بدرجة أدنى، وقد ساعدني ذلك في تعلم اللغة.


بعيداً عن منظور الدين أعتبر هذه التجربة إيجابية جداً، فقد أفسحت لي الفرصة للتعرف على ثقافات جديدة، والتعرف على بيئة الأنثى؛ طريقة تفكيرها، نمط حياتها، وسيكولوجيتها، كنت أنظر إلى استحالة وجود صداقة بين أنثى ورجل، إلى أنه تبين لي بعد هذه التجربة أن الصداقة ممكنة، وأن لها درجات؛ فقد وصلت مع الأشخاص الذين سكنت معهم لأعلى درجات الصداقة والثقة، أما من جهة السلبيات فسأكذب إن قلت بأنه لا يوجد هناك مشاكل، لم أكن  أستطيع استقبال ضيوف من أصدقائي، خاصة أولئك الذين لا يعرفون مع من أسكن، عدا عن  توتري عندما كنت أتحدث مع أهلي، فلم أخبرهم أين أسكن، وليس لهم بالعادة أن يسألوني.

لم أكن أخشى أن يعرف أهلي، لكني لم أرد أن أخبرهم كي لا ينزعجوا من الأمر ويحزنوا، ولم أكن أخشى من وصمة عار إن عرف الناس، لكني أفضل ألا يعرف أحد كي لا يدور الكلام، لكني من المؤكد أنني سأقوم بإخبار زوجتي في المستقبل عن التجربة، كوني أساساً لا أرى ذلك خطأً. ولن يكون لدي أي إشكالية إن كانت زوجتي عاشت تجربة مشابهة، في حال كانت في إطار الصداقة الخالصة، ولكن ومع أن تجربتي إيجابية لا يجب دخول هذه التجربة مع أياً كان، بل يجب ضمان الثقة بالأشخاص الذين سيتم السكن معهم، لأن بعض هذه الأماكن يكون فيها إشكالات جنسية، تؤثر سلباً على القاطنين في نفس المنزل.


بالنظر فيما ورد في الحالة السابقة تبدو التبريرات التي طرحها الشاب مألوفة ومتداولة بين بعض الشباب، الذين قد يحاولون تبرير التجربة وتلميعها والإضاءة على جانب واحد منها بشكل مبالغ من جهة، والتغافل عن كونها تجربة تسهل تورط الشباب وانزلاقهم في المشاكل والمعاصي من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن وجود ذكور وإناث في المكان نفسه قد يكون تعويضاً عن غياب الأسرة؛ إلا أنه قد يكون سبباً لعزوف الشباب عن الزواج وشيوع العلاقات غير الشرعية وانهيار المنظومة الأخلاقية في المجتمع.

وقد يبدو الفضول والرغبة في تقليد بعض أنماط الحياة الغربية والرغبة في التمرد على العادات والتقاليد أحد أبرز الدوافع وراء تجربة هذا النمط من السكن؛ ليس لكونها تجربة أفضل، وإنما رغبة في الظهور بمظهر “عصري متحرر” يتوافق مع الصورة الذهنية التي يحاول الإعلام أن يرسمها.

 كما أن هذا النمط من السكن يُعد غير مقبول اجتماعياً، سواء في البيئة المحلية التركية المحافظة أو السورية، ويلحق بصاحبه وسم اجتماعي قد يؤثر في مستقبله بشكل سلبي، خاصة حينما ينوي الزواج، وهو ما يمكن تلمسه في بعض العبارات التي وردت على لسان هذا الشاب؛ فهذه التجربة – عدا عن كونها تخالف تعاليم الشرع الإسلامي وتقاليد المجتمعات العربية- تهيئ بيئة مناسبة لحوادث الاغتصاب والاستغلال الجنسي وما قد يلحقه من مشاكل وتحديات.

اكل الشباب القاطنين في السكنات الشبابية متنوعة ومعقدة وتحتاج للفهم العميق من أجل معرفة أفضل الحلول لمساعدتهم،إلا أن هذه الحلول لن تعطي أية نتيجة مالم تتوافق مع أولويات هذه الشريحة واحتياجاتها، وبالعودة إلى أولويات هذه الشريحة يمكن القول بأن الزواج والاستقرار يتربع على رأس قائمة هذه الأولويات يليه السفر إلى أوروبا، 


الحصول على مكان أفضل للمعيشة: تتوفر فيه الخدمات الرئيسة اللازمة من طعام صحي[77] ونظافة دورية، ويخضع لإشراف جهة تقوم بضبط عدد القاطنين ومتابعة مشاكلهم ومكافحة عمليات السرقات والأمور غير القانونية ومكافحة السلوكيات السلبية، واستثمار وجود هذه الفئة من الشباب بتقديم خدمات توعوية وتعليمية واستشارية وخدمية داعمة؛ لمساعدة الشباب على تخطّي العقبات التي يواجهونها بطريقة أسهل.

دعم مشاريع الزواج: تتركز معظم أحلام هذه الشريحة في الزواج والاستقرار وتأسيس عائلة؛ فقد أشار 51% من هذه الشريحة إلى أنها أهم المشاريع التي تلبي احتياجاته (الشكل 58)، إلا أن ضعف القدرة المالية والمسؤولية التي يتحملها البعض تجاه دعم عائلاتهم في الداخل، وافتقادهم للقدرة على الإدارة الاقتصادية للموارد يجعل مشروع الزواج بالنسبة لهم مشروعاً مؤجلاً بعيد المنال، وبالتالي فإن تقديم دعم لمشاريع الزواج الجماعية وتقديم تدريبات ودورات تأهيلية قبل الزواج تساعد الشباب على ترك هذه السكنات والتحول إلى ظروف حياة أفضل.

دعم المشاريع الصغيرة: وهو أحد الاحتياجات اللازمة لهذه الشريحة؛ حيث جاء هذا الموضوع في المرتبة الثانية بين الإجابات بنسبة 35%.

الحاجة إلى دورات لتطوير المهارات: سواء في مجال اللغات التي جاءت في المرتبة الثالثة بنسبة 26%، أو تدريبات مهنية احترافية تساعد الشباب على الحصول على فرص عمل أفضل.

المنح الدراسية والبرامج التعليمية: يضم السكن الشبابي شريحة من الشباب الذين انقطعوا عن دراستهم واضطروا للعمل لتأمين دخل لهم أو لعائلاتهم، وهم يملكون المؤهلات والاهتمام للعودة إلى صفوف الدراسة، لكنهم غير قادرين على ذلك؛ إما لجهلهم بالمنح المتاحة، وإما لعدم وجود منح مناسبة، لاسيما وأن بعضهم قد تخطى المرحلة العمرية التي تستهدفها بعض المنح، أو لاحتياجهم لدعم مادي يساعدهم خلال فترة دراستهم، حيث جاء هذا النوع في المرتبة الرابعة بنسبة 23% .

الحاجة لمشاريع ترفيهية مدروسة: تساعد هذه الفئة على التحرر من ضغوط العمل وتقدم لهم فسحة للتعرف على فئات جديدة أو مشاركة الخبرات الحياتية وقصص النجاح الملهمة أو الحصول على دعم نفسي، وتكون هذه المشاريع مدخلاً لبناء الثقة مع المنظمات ومع العاملين في مجال الشباب.

لمّ الشمل مع أفراد العائلة: خاصة للمتزوجين الذين تركوا عائلاتهم في سوريا وقدموا إلى تركيا للبحث عن عمل، أو القُصّر الذين قدموا دون عائلاتهم وتتيح لهم صفة الحماية المؤقتة لمّ شمل عائلاتهم بشكل قانوني.

الاستشارات القانونية: التي تساعد الشباب على الوصول لأجوبة صحيحة حول المشاكل التي يتعرضون لها، سواء مشاكل العمل أو مشاكل الإقامة.

الحاجة إلى تعميق الارتباط بالعائلة والوطن، وتعزيز الصلة معه وتعزيز الانتماء له، وهو ما من شأنه تشجيع هذه الفئات على العودة إلى أوطانهم في حال انطلقت عملية سياسية حقيقية واستقرت الأوضاع داخل سوريا.

سادساً: مشاريع الجمعيات والمنظمات السورية الموجهة للسكنات الشبابية

قام فريق البحث برصد ومسح المشاريع المقدمة لشريحة الشباب، ولقاء بعض المسؤولين في منظمات المجتمع المدني وبعض المشايخ المهتمين بالعمل مع الشباب؛ حيث ظهر أن أغلب الجمعيات السورية تركز في برامجها على شريحة الشباب الجامعي على اعتبارهم النخب التي ستقود سوريا مستقبلاً، ويغيب عن هذه الجمعيات ضرورة إيجاد حواضن تعليمية وحواضن اجتماعية تهتم بالفئات الأخرى، خاصة أصحاب المهن؛ وهم شريحة لا يُستهان بها، ولها دورها الحالي والمستقبلي المؤثّر في كل من سوريا وتركيا.

وقد قامت بعض المنظمات السورية بمشاريع محدودة توجهت لفئات الشباب عموماً، وقدمت لهم تدريبات مهنية تمكنهم من دخول سوق العمل؛ إلا أن هذه المشاريع لم تكن سهلة في بعض الأحيان لما تتطلبه من جهات داعمة وموافقات قانونية، ولم تكن كافية للفئات المستهدفة، كما أنها لم تتابع معهم في مرحلة ما بعد التدريب بتقديم تمويل أو مساعدة

وتشير المقابلات مع عدد من القائمين على منظمات المجتمع المدني وجهات الدعوية إلى عزوف تلك المنظمات والجهات عن استهداف هذه الشريحة بالمشاريع وهو ما يعود لعدد من الأسباب ذُكرت خلال المقابلات، وأهمها:


غياب الاطلاع الدقيق على واقع هذه الشريحة ومشاكلها، ونقص الدراسات والأبحاث الميدانية والمواد الإعلامية التي تسلط الضوء على واقع هذه الشريحة وتقدم الحلول والاقتراحات التي يمكن أن تجذب المنظمات وتساعدها على العمل؛ فالأغلب يعتبرون أن احتياجات هذه الفئة اقتصادية بالدرجة الأولى وأنهم غير قادرين على مساعدتها لشحّ الدعم المخصص لهذا المجال، غافلين عن وجود احتياجات أخرى لهذه الشريحة.

غياب المتخصصين الذين بإمكانهم التعاطي مع هذه الفئة والتفاعل مع مشاكلها فالتعامل مع هذه الشريحة يحتاج فهماً معمقاً لظروفها واحتياجاتها وأوضاعها النفسية والأخلاقية والروحية، فهذه الشريحة سهلة الاستفزاز، ضعيفة الثقة بمن حولها، اعتادت على نمط حياة غير منضبط بقيود ولا قواعد، وبالتالي لابد من صرف الجهود بداية على إعادة بناء الثقة معهم، والتقرب منهم وإشعارهم بوجود مَن يهتم ويكترث لحالهم، ثم استهدافهم لاحقاً ببرامج ومشاريع لمن يرغب منهم يمكن أن تساعده على تجاوز مشاكله وتحسين ظروف حياته.

التحديات الكبيرة التي يمكن أن يواجهها أصحابها من خلال العمل مع هذه الشريحة؛ نظراً لعدم تجانس هذه الفئة، ولتشابك المشاكل التي يعانون منها وتعقدها، والتي هي مزيج من مشاكل أخلاقية وفكرية وأسرية ومجتمعية، اجتمعت معها ارتدادات الحرب واللجوء لتخلق حالة من اللامبالاة، حيث يتطلب العمل مع هذه الشريحة طول نفَس وحُسن استيعاب وتنوعاً في المشاريع، إلى جانب تأخر ظهور ثمار هذه المشاريع.

صعوبة إيجاد تمويل لمشاريع تتوجه لهذه الفئات، لاسيما وأن الشريحة كبيرة وغير متجانسة واحتياجاتها كثيرة.

النموذج التقليدي للعمل في بعض المؤسسات الذي اعتاد أن يتوجه إلى شرائح محددة ولا يحاول الانفتاح على المستجدات والفئات الجديدة المحتاجة للدعم المعنوي والمادي.

يتخوف بعض المهتمين بقضايا الشباب من العمل مع فئة القاطنين في السكنات الشبابية نظراً لوجود العديد من المشاكل الأخلاقية التي يعانون منها، والتي قد تؤثر على سمعة مَن يحاول استهدافهم بأي برامج، إضافة إلى مخاوف من تعرضه لإزعاجات أو لتصرفات غير مقبولة من بعض أفراد هذه الفئات

“قمت بمبادرة فردية ومحاولة للتأثير في بعض الشباب المقيمين في السكنات الشبابية والذين تعرفت عليهم عن طريق الصدفة، ولكن محاولاتي لتحويل هذا العمل لشكل مؤسساتي أخفقت، فلم تكن هذه الشريحة ضمن محور الاهتمام، ولا أنكر أني شخصياً أخاف من الفشل عندما أتعامل مع هذه الفئة، وأخاف أيضاً أن يطالني الهمز واللمز، ولقد تعرضت لذلك صراحة، وقد نصحني بعض العاملين في المجال الدعوي قائلين: ليس من مقامك أن تجلس شباب يتعاطون الحشيشة؛ هذا لا يليق فيك. فأجبتهم: نحن تعلمنا العلم الشرعي لنطبقه على أرض الواقع مع هؤلاء الشباب، مكاننا بينهم، وليس فقط في المساجد خلف الطاولات. غالبية الدعاة تنتظر الفئة التي تأتي إليهم، ولكن إن اكتفينا بهذه الفئة من سينقذ الشباب خارج المساجد.


مع ندرة المشاريع الموجهة لهذه الجهة فإننا وقفنا على تجربة مؤسسية ناجحة كان من الضروري تسليط الضوء عليها؛ فقد اجتمع أحد الدعاة في إسطنبول بطريق الصدفة مع عدد من الشباب القاطنين في السكن الشبابي عند الحلاق قرب مقر الجمعية الدعوية التي يعمل فيها، ولفته طريقة كلامهم وحديثهم المبتذل، وخلال حوار عابر معهم لاحظ أن بعضهم لم يزر المسجد من مدة تزيد على 5 سنوات، فيما كان البقية يحافظون على أداء صلاة الجمعة فقط دون سماع الخطبة.

وقفات مع هذه التجارب:

بالنظر إلى هاتين التجربتين يمكن أن نلاحظ عدة أمور:

تشير هذه التجارب إلى أنه على الرغم من أن الواقع الذي تعيشه هذه الشريحة قاتم وصعب إلا أن إمكانية تعزيز الجوانب الإيجابية عندها ممكن جداً، لاسيما إن تم التوجه لهذه الشريحة بما يلبي احتياجاتها؛ حيث إن التغيرات السلبية لم تترسخ عندها بعد.

تؤكد هذه التجربة أن حاجة هذه الشريحة للاحتواء والمتابعة والتوجيه قد تفوق حاجتها المادية، وأنه يمكن التوجه إليها بمبادرات ومشاريع بسيطة وغير مكلفة، ولكنها تحتاج إلى رغبة صادقة وفهم عميق لاحتياجات هذه الشريحة والتفاعل معها.

تملك هذه الشريحة صفات إيجابية كامنة تنتظر مَن يستثمرها وينفض الغبار عنها، ويشجعها على تحدّي ظروفها الصعبة وعدم الاستسلام لها، حيث يمكن أن تُظهر تفاعلاً ونتائج قد تغير مجرى حياتها وتنقذها من الضياع.

تشير هذه التجارب إلى أن مفتاح الدخول إلى هذه الشريحة يجب أن يكون من بعض أفرادها؛ فالتأثير ببعض القاطنين في السكن الشبابي قد يكون سبباً في استقطاب المزيد، وأن استهداف بعض الأفراد بمشاريع بسيطة تلبي احتياجاتهم قد يكون الوسيلة للتأثير بشكل غير مباشر في بقية أفراد هذه الشريحة.

يتوهم البعض أن التعامل مع هذه الشريحة صعب جداً، وأن إصلاحها أو التأثير فيها بشكل إيجابي يتطلب الكثير من الموارد والكوادر المتخصصة؛ إلا أن نجاح هاتين التجربتين بموارد بسيطة يشير إلى أن آفاق الإصلاح والتأثير الإيجابي لا تزال موجودة وفي متناول اليد.

من الصعب أن تؤدي المحاولات الفردية إلى تأثير عريض في هذه الشريحة، ما لم تدعمها جهود مؤسساتية تكاملية ومشاريع طويلة الأمد يجري التخطيط لها بعد اطلاع ودراية.

 نتائج وتوصيات

تغيب الدراسات الدقيقة والإحصاءات الرقمية التي تصف واقع الوجود السوري في تركيا عن الواجهة؛ حيث تواجه مراكز الدراسات والمعنيين صعوبة كبيرة في الوصول إلى الأرقام والإحصاءات الرسمية، ومن جهة أخرى قد تبدو المواضيع التي تهتم بها مراكز الأبحاث والجامعات -خاصة التركية منها- متكررة تركز على مواضيع محددة، فيما يتضاءل الاهتمام بالتغيرات الاجتماعية التي خلّفتها تجربة اللجوء على السوريين ودراسة آثارها المستقبلية.

وقد حاولت هذه الدراسة بمنهجيتها الاستكشافية وفي ظل غياب الأرقام والإحصاءات تسليط الضوء على إحدى الشرائح المهمة الموجودة في تركيا من خلال استطلاع آراء 480 شاباً خاضوا تجربة السكن الشبابي، وأجابوا على استبانة إلكترونية تم تصميمها وتدقيقها من قبل خبراء، وخضعت إجاباتها للتحليل الإحصائي، وتم دعم نتائجها بنتائج مقابلات مباشرة مع 30 شاباً وشابة خاضوا تجربة السكن الشبابي وبعضهم ما زال يعيش فيها، بالإضافة إلى مقابلات مع عدد من الخبراء والعاملين في مجالات تستهدف شريحة الشباب السوري في تركيا.

وقد واجه فريق البحث بعض الصعوبات خلال جمع البيانات، وذلك نتيجة عدم تجاوب القائمين أو المستثمرين لهذه السكنات الشبابية، والتحفظات لدى بعض مَن خاض هذه التجربة على الحديث عن واقع تلك السكنات، خاصة أولئك الذين ما زالوا يقيمون فيها، وكذلك ضعف تجاوب شريحة الإناث اللواتي كان تجاوبهن مع الاستبانة ومع المقابلات أضعف من الذكور.

وبالتالي لا يمكن القول إن النتائج التي وصلنا إليها تعطي أرقاماً دقيقة عن الواقع أو تقدم حقائق مطلقة؛ إذ لابد من الإشارة إلى أننا في عملية غاية في الديناميكية، وأن علينا فهم هذه العملية من خلال الاقتراب من الواقع الاجتماعي ومحاولة فهمه وإدراك قيوده.

نتائج الدراسة:

قد تكون تجربة السكن الشبابي تجربة مؤقتة يُتوقع أن تختفي تلقائياً أو يتقلص حجمها وعددها مستقبلاً؛ إلا أنها تجربة يجب ألا تمرّ دون دراسة عميقة، ودون استثمار إيجابي لهذه الشرائح التي يمكن الوصول إليها، وتخفيف الآثار والتغيرات السلبية عليها والحد منها أو توجيهها للقنوات الصحية الصحيحة.


وتُظهر النتائج السابقة أن هذه الشريحة تعاني من التهميش ومن الظلم الاجتماعي؛ فهي شريحة تعيش في بيئة غير مستقرة، تكثر فيها المشاكل بكافة أنواعها، كالمشاكل الصحية والقانونية، بالإضافة إلى تعرضها للسرقة والاستغلال، حيث تضم هذه السكنات أفراداً من مختلف الشرائح والتوجهات، ويجتمع فيها الجيد وسواه بشكل يصعب فيه التأقلم أو الإحساس بالاستقرار.


ومن جهة أخرى تبدو هذه السكنات بيئة مهيأة لأن تنشط فيها الظواهر والسلوكيات السلبية والأعمال غير الأخلاقية وغير القانونية، وهو ما يجعل تأثيرها السلبي على بقية الأفراد أكبر، ويجعلهم أكثر عرضة للتغيرات السلبية والتورط في بعض المشاكل القانونية أو الانحرافات.


كما أن هذه الشريحة من القاطنين في السكن الشبابي تُعد شريحة مستنزفة ضمن ظروف عمل غير عادلة، تجد نفسها أمام التزامات ومسؤوليات جديدة، دون أن تملك الوعي والخبرة لمواجهة هذه الظروف، وتتضاءل معها الآمال بتغير الأحوال أو تحسن في الواقع مستقبلاً أو حتى الزواج والاستقرار؛ وهو ما يجعل هذه الشريحة عرضة للمشاكل النفسية التي قد تدفع بالشباب نحو الجنوح أو المخدرات.


ومن جهة أخرى فإن هذه السكنات ليست شيئاً طارئاً على المجتمع التركي؛ فهذا الواقع الذي يعيشه الشباب السوري هو واقع موجود في المجتمع التركي وغيره من المجتمعات، خاصة ما يتعلق منه بجانب الانحرافات الأخلاقية والسلوكية ومشاكل الإدمان، وبالتالي فإن تطوير برامج ومشاريع في هذا السياق من شأنه الارتقاء بالمجتمع ككل وحل بعض الأمور المؤرقة لكلا الطرفين.


ومن الواضح أن البرامج والمشاريع الموجهة لهذه الشريحة من المنظمات أو الحكومات متواضعة جداً؛ بسبب عدم الاطلاع على واقع حياة هذه الشريحة واحتياجاتها، وضعف التمويل الموجه، وقلة الخبرات المتخصصة في هذا الشأن. إلا أن التجارب الناجحة -رغم محدوديتها- تشير إلى إمكانية التأثير في هذه الشريحة بشكل إيجابي من خلال إطلاق برامج مرحلية تدريجية تستند إلى فهم دقيق لاحتياجات هذه الشريحة، تتكامل فيها جهود المنظمات، إذ لا يمكن لجهة واحدة أن تتحرك في هذا المجال وحدها.


وعلى الرغم من أن واقع هذه الشريحة يبدو قاتماً إلا أن الفرص لا تزال مهيأة للتأثير الإيجابي فيها وللتخفيف من الآثار السلبية؛ حيث إن هذه الشريحة تحتاج الاهتمام والرعاية والمتابعة والنصح والتوجيه أكثر من احتياجها الدعم المالي، وإن التوجه لهذه الشريحة يجب أن يكون من منطلق الصداقة والرحمة والإحساس بالمسؤولية، لا من منطلق الأستاذية والنصح المتعالي.


التوصيات

وفي إطار المشاركة في حل بعض الإشكاليات التي تعاني منها شريحة الشباب القاطنين في السكن الشبابي تقدم هذه الورقة مجموعة من التوصيات:


توجيه المنظمات والجمعيات والهيئات السورية لإقامة سكنات شبابية استثمارية تحت رقابة وضوابط تحاول استيعاب هذه الشريحة، وتقدم خدمات داعمة لها تلبي احتياجاتها المعيشية، وتقدم مجموعة من البرامج التوعوية والاستشارية الاختيارية التي يتم تطويرها وفق خطة ودراسة مسبقة.

استهداف القاطنين في السكنات الشبابية ببعض المشاريع الخيرية، وذلك من خلال إقامة مطبخ خيري أو مطعم يقدم وجبات مطبوخة صحية بأسعار مدعومة.

إقامة برامج ترفيهية ورحلات دورية تستهدف هذه الشريحة وتساعدهم على الحصول على ترفيه موجه وآمن، يتم من خلاله بناء جسور الثقة بين هؤلاء الشباب والمنظمات.

دعم وتشجيع مشاريع الزواج والأعراس الجماعية التي تتكفل فيها الجهات الداعمة بتقديم مساعدات مادية وعينية للشباب من هذه الشريحة المقبلين على الزواج، بالإضافة على دورات تأهيلية مسبقة.

إقامة مشاريع سورية تركية تستهدف فئة الشباب من كلا الطرفين، تسعى إلى التفاعل مع مشاكلهم وحمايتهم من الوقوع في مشاكل الإدمان والتورط في أعمال غير قانونية أو غير أخلاقية.

إقامة مراكز استشارية سورية تركية تقدم خدمات الاستشارة المجانية المتخصصة في أحد المجالات، سواء القانونية أو النفسية أو الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية؛ والتي تساعد الأفراد على الوصول إلى حلول لمشاكلهم أو الحصول على مساعدة احترافية، أو معرفة الخطوات الضرورية لتصحيح أوضاعهم القانونية.

إنشاء برامج وألعاب ذات فائدة يمكن أن تستهدف الفئات الشابة وتساعدها على قضاء وقت ممتع ومفيد.

إنشاء نوادٍ رياضية تتبع لبعض الجمعيات والمنظمات مهمتها اكتشاف المواهب الرياضية ورعايتها، وإنشاء الفرق الرياضية، وتأمين معدات للياقة البدنية وكمال الأجسام المطلوبة لهذه الفرق والنوادي.

إطلاق مخيمات كشفية ومخيمات تربوية تستهدف هذه الشريحة، خاصة في فترات العطل الطويلة والأعياد.

إطلاق مسابقات لاكتشاف المواهب ورعايتها، وتأمين تدريبات لاحقة تمكّن من صقل هذه المواهب واستثمارها.

تقديم تدريبات متنوعة للشباب، سواء تدريبات لتعليم اللغات أو تدريبات مهنية بمستويات متفاوتة، يمكن أن يتعلم فيها الفرد مهنة جديدة أو يكتسب خبرة متقدمة في مهنة يعرفها.

تأمين منح وبرامج تعليمية مرنة تساعد الشباب على استكمال دراستهم الجامعية أو ما قبل الجامعية، وتقديم مساعدات مادية ولوجستية للتسجيل في الجامعات أو في تلك المنح.

التعريف ببعض الجهات أو المؤسسات التركية التي تقدم خدمات نفسية أو تعليمية أو مهنية، والتي تستقبل السوريين والأتراك؛ حيث تسمح مثل هذه الدورات بالاختلاط بالأتراك والاندماج معهم.

تهيئة بعض الكوادر من قاطني السكن الشبابي وتدريبهم على التأثير في أقرانهم، وتقديم نماذج إيجابية صالحة من البيئة ذاتها يمكن أن يكونوا أكثر قدرة من غيرهم على توجيه الشباب ومساعدتهم على تجاوز مشاكلهم بسلام.

google-playkhamsatmostaqltradent